=KTML_Bold=كردستان الحمراء السوفیتیة: بين الحقيقة التاريخية والتخيّل القومي=KTML_End=
#جبار قادر#
الحوار المتمدن-العدد: 8670
المحور: القضية الكردية
تُعد تجربة ما اصطلح على تسميته ب«كردستان الحمراء»، وأحيانًا «كردستان السوفيتية»، في جمهورية أذربيجان السوفيتية، من بين النماذج الأكثر دلالة على التناقض البنيوي الذي حكم السياسة القومية بين الطروحات الأيديولوجية البلشفية والممارسة الواقعية للدولة السوفیتیة. فقد شكّلت نموذجًا واضحًا لفهم تناقضات السياسة القومية في الاتحاد السوفيتي، حيث تتجلّى مواجهة المبادئ البلشفية حول المساواة الكاملة بين الأمم والقوميات المختلفة مع متطلبات المركزية الصارمة التي فرضها نظام جوزيف ستالين لاحقًا.
ولفهم هذه التجربة، لا بد من الإشارة إلى الجذور التاريخية للوجود الكردي في القوقاز الجنوبي، حيث استقر الكرد منذ قرون طويلة في مناطق معينة فيما تُعرف الآن بآذربایجان وأرمینیا وجورجیا. ففي آذربایجان تركز تواجدهم في مناطق كلبجار، لاچين، جبرائيل، زەنگیلان وكوردحاجي، الواقعة بين جمهورية أرمينيا الحالية ومنطقة ناغورنو-قرهباغ، التي شهدت صراعات دموية بين الآذریین والأرمن للسيطرة عليها بعد انهيار الإتحاد اسلوفیتي. وقد لعب الكرد دورًا ملحوظًا في مناطق القوقاز، وأسسوا في القرن العاشر الميلادي الدولة الشدادية (951 – 1199م)، التي حكمت مناطق واسعة فيما وراء القوقاز لحوالي قرن ونصف. وسيطرت إیران الصفویة منذ القرن السادس عشر على هذه الأراضي، وبقيت، مع صراعاتها وحروبها المتكررة ضد الدولة العثمانیة، تحكمها حتى انتزعتها الإمبراطورية الروسية منها إثر حروبها ضدها في الربع الأول من القرن التاسع عشر، وتكرست تبعيتها الجديدة بموجب معاهدتي گلستان (1813) وتركمانچاي (1828). وبذلك، لم يكن الوجود الكردي في تلك الجغرافيا طارئًا أو ناتجًا عن هجرة أو انتقال، بل تجسيدًا لاستمرارية سكانية على شكل مستوطنات مستقرة أو قبائل رحّل داخل هذه الجغرافيا، سبقت تشكيل الحدود بين الدول، وهو ما يمنح هذا الوجود طابعًا أصيلًا، والذي يتناقض كليًا مع بعض السرديات اللاحقة.
بعد ثورة أكتوبر عام 1917، طرحت السلطة البلشفية بقيادة لينين نموذجًا جديدًا لإدارة الدولة الروسیة متعددة القوميات، قائمًا على مبدأ المساواة بين الشعوب والأقليات والاعتراف بحقوقها القومية والثقافية. ولربط هذه الأمم بتلك السیاسات، اعتمدت موسكو على سياسة «الكورينيزاتسيا – تجذیر السیاسات»، التي هدفت إلى إشراك الشعوب غير الروسية في أجهزة الحكم وتطبيق السياسات البلشفية في مناطقها القومية، مع الاعتراف بخصوصياتها الثقافية، دون فرض الروس عليها، لتجنب إثارة الحساسيات القومية المحلية.
في هذا الإطار، أُنشئ عام 1923على أراضي جمهورية أذربيجان السوفيتية «أویزد كردستان»، وأویزد هو وحدة إدارية حسب التقسيمات الإدارية الروسیة، ويقابل القضاء في التشكيلات الشرقية، وعُرفت هذه الوحدة في الدعاية الحزبية باسم كردستان الحمراء. كان لإنشاء هذا القضاء بعدان: داخلي يتعلق بإدارة الأقليات ضمن السياسة القومية البلشفية، وخارجي يتمثل في استخدامه أداة للتأثير على الكرد في إيران وتركيا، عبر تقديم نموذج يُظهر قدرة النظام الاشتراكي على معالجة القضايا القومية المعقدة ضمن إطار مؤسساتي. وكان يُفترض أن يعزز ذلك شرعية توجهات السیاسة الرسمیة للإتحاد السوفيتي في الشرق الأدنى.
عند تأسيس القضاء، شكّل الكرد نحو 99٪ من سكانه، إلا أن هذه النسبة المرتفعة لوحدة إداریة تحمل إسم كردستان علی الأراضي الآذریة أثارت مخاوف القيادة الأذربيجانية، فتم إلحاق منطقة قوبادلي غير الكردية به، مما خفّض نسبة الكرد إلى نحو 73٪ وفق إحصاء السكان العام في الإتحاد السوفیتي عام 1926. وتكشف هذه الخطوة عن طابع الهندسة السكانية، رغم تقديمها كإجراء إداري. ورغم الغلبة العددية للكرد، لم يُمنح القضاء حكمًا ذاتيًا، بخلاف ناگورنو- قرهباغ الأرمنیة الملاصقة له، والتي حصلت على حكم ذاتي في اليوم نفسه، ما يعكس انتقائية تطبيق المبادئ البلشفية. كما أدى تعيين مسؤول أذربيجاني القومية لإدارة القضاء، ونقل مركزه الإداري من لاچين الكردیة إلى شوشي الآذریة، إلى إضعاف الطابع القومي للمشروع وتحديد إمكانياته في تعميق الهوية الثقافية الكردية.
مع صعود ستالين، دخل الاتحاد السوفيتي مرحلة المركزية الصارمة والقمع، المعروفة لاحقًا ب«الإرهاب العظيم». وفي هذا السياق، أُلغي كيان «كردستان الحمراء» عام 1929 بذريعة الإصلاح الإداري، ولكن السبب الأساسي كان فشله في أداء دوره الرمزي الخارجي، فضلًا عن المخاوف التركية المستمرة.
غير أن الإلغاء لم يكن سوى بداية لمرحلة أعمق من الصهر القومي. ففي الثلاثينيات، وخلال التطهير الكبير، تعرض الكرد، مثل غيرهم من الأقليات، للقمع والترحيل القسري إلى كازاخستان، أوزبكستان وقیرغیزیا. كما اتُّهموا بأن بنيتهم القبلية تعيق اندماجهم في النظام الاشتراكي، خصوصًا في الكلخوازت والسفخوزات. وفي هذا السياق، تعرّض الكرد السنة في نخچوان للترحيل القسري عام 1937. وساهمت عوامل مثل الاشتراك المذهبي للكرد في آذربایجان مع الأغلبية الآذرية، والانقسامات الداخلية، والتحولات اللغوية، في تسريع عملية الصهر، بينما حافظ الكرد في أرمینیا وجورجیا، كونهم من السنة والإیزیدیین في وسط مسیحي، على لغتهم وهويتهم الدينية والثقافية.
وتظهر البيانات الإحصائية تراجعًا مستمرًا في عدد الكرد أو المسجلين ككرد في آذربایجان عامًا بعد عام، حتى حل عام 1979، حين أعلنت السلطات أنه لم يُسجل أي كردي في أذربيجان. وتشير مصادر موثوقة إلى أن السلطات كانت تمنع تسجيل الكرد، خصوصًا من أصحاب الشهادات والمناصب العليا في الإدارة المدنية وفي الجيش، في الوثائق الرسمية. لكن مع «البيريسترويكا والگلاسنوست» في عهد میخائیل گرباچیف، أُعلن عام 1989 أن نحو عشرة آلاف شخص عرّفوا أنفسهم ككرد من جدید في تلك الجمهورية. إلا أن تصاعد النزعات القومیة المتشددة والصراعات القومية، خاصة حول ناگورنو–قرهباغ، أدى إلى تهجير وهجرات جديدە، وتحول سكان المناطق الكردية إلى لاجئين، مع هجرة قسم منهم إلى شمال القوقاز في روسيا الاتحادية. ورغم الأرقام الرسمية المحدودة، فإن كثيرين ما زالوا يحتفظون بهويتهم الكردية بشكل غير رسمي، نتيجة سياسات طويلة من الإخفاء القسري للهوية.
تعكس تجربة «كردستان الحمراء» التناقض الجوهري في المشروع السوفيتي بين السعي لتنظيم التعدد القومي مؤسسيًا، وبين تقليص استقلاله فعليًا ضمن الدولة المركزية. كما تكشف كيف تحولت المبادئ الأيديولوجية إلى أدوات خاضعة للمصالح الجيوسياسية. وفي جوهرها، تمثل هذه التجربة مفارقة عميقة: مشروع يعترف نظريًا بالتعدد القومي، لكنه يمارس عمليًا سياسات انتقائية وتمييزية. لذلك يمكن فهم «كردستان الحمراء» ليس فقط كتجربة فاشلة، بل كمرآة لحدود السياسة البلشفية نفسها، عند انتقالها من الثورة إلى الدولة، ومن التحرر إلى السيطرة.
بعد انهيار الإتحاد السوفیتي، ومع انكشاف جانب من تفاصيل تلك السياسات التي كانت محاطة بقدر كبير من السرية، برزت موجة من الكتابات التي تناولت تاريخ الكرد في القوقاز، واحتلت فيها مسألة «كردستان الحمراء» موقعًا لافتًا. وقد تعامل عدد من الكتّاب الكرد مع هذه التجربة بوصفها نموذجًا لكيان قومي مفقود، فذهب بعضهم إلى توصيفها كمنطقة حكم ذاتي متكاملة، في حين بالغ آخرون فجعلوا منها جمهورية قائمة بذاتها، بل وطرحوا تصورات تدعو إلى إعادة إحيائها في السياق المعاصر. غير أن هذا التناول، في كثير من الأحيان، لم يستند إلى قراءة نقدية للوثائق التاريخية أو إلى مصادر موثوقة، بقدر ما تأثر بنزعة عاطفية سعت إلى استعادة لحظة متخيلة من التمكين القومي. وقد تداخل في هذا السياق البعد الرمزي مع الطموح السياسي، فجرى تضخيم التجربة وتحريرها من شروطها التاريخية الفعلية. كما أن بعض الكرد في الاتحاد السوفيتي، ولا سيما أولئك الذين تأثروا بالدعاية الأرمنية، تبنّوا روايات تتقاطع مع السردية الأرمنية حول طبيعة هذا الكيان وحدوده، وانساقوا معها بدرجات متفاوتة، الأمر الذي أسهم في إنتاج تصورات غير دقيقة حول «كردستان الحمراء».
وعليه، يمكن القول إن جزءًا من الأدبيات الكردية حول هذه المسألة يعكس، بدرجة أكبر، محاولة لإحياء المعنى الرمزي للتجربة أكثر من كونه إعادة بناء علمية لتاريخها، وهو ما يفرض ضرورة التمييز بين الذاكرة القومية بوصفها تعبيرًا عن الهوية، والبحث التاريخي بوصفه عملية نقدية تستند إلى المصادر والتحليل الموضوعي. [1]