=KTML_Bold=نداء القائد #عبد الله أوجلان# .. نداء السلام والمجتمع الديموقراطي=KTML_End=
فراس يونس
في ظلِّ المشهد الإقليمي الساخن بتناقضاته المستعصية في أكثر من ساحة، تأتي دعوة ونداء القائد التاريخي عبد الله أوجلان إلى إنهاء الكفاح المسلح لحزبه مع الدولة التركية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وتدمير الأسلحة وفق آليات تم الاتفاق عليها لتشكل منعطفاً سياسياً استراتيجياً سيكون له تردداته التكتونية، ومفاعيله المستقبلية على صعيد تركيا والإقليم معاً.
لم يكن نداء مجرد إلى إنهاء الكفاح المسلح بعد عقود من الصراع المسلح مع الدولة التركية وحسب، بل انتقال وازن وصريح إلى السياسة الديمقراطية في إطار قانوني ودستوري وفق فهم عميق وجدلي لموازين القوى واتجاه حركتها، وهو يعكس قدرة حزب العمال الكردستاني على استبصار الرؤية التاريخية التي من شأنها بعد إجراء هذا التعديل الحاسم في هذا المنعطف أن يحمي ويصون أهداف الحركة من الانفراط، حتى بعد قرار إنهاء مرحلة الكفاح المسلح، وبدء مرحلة النضال السياسي، وهو ما عبّر عنه النداء بأنه جاء انعكاساً للتضحيات كما للمكاسب التي حصلها النضال القديم في رفع إنكار الهوية القومية، والاعتراف بالحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي، وهذا التطور يعتبر انتصاراً بكل معنى الكلمة و يمنحه أهميته التاريخية أمام شعوب المنطقة وجميع قوى المجتمع العالمي.
=KTML_Bold=التمسك بالديمقراطية حيث يتخلى عنها الآخرون=KTML_End=
الإيمان بالسياسة كما عبّر عنه القائد عبد الله أوجلان يعني الانتقال إلى طور نضالي جديد أكثر تعقيداً وتأثيراً من شكل النضال السابق، الذي لم يكن يخلو من السياسة لكن أسلوب العمل المسلح طغى عليه وفقاً لضرورات المرحلة آنذاك بالرد على هجمات دولة الاحتلال التركي وفق حق الدفاع المشروع، وحجب الكثير من الطابع السياسي عنه وهو يضع الدولة التركية وأركانها السياسية والقضائية والتشريعية أمام مسؤولياتها ويضع حزب العمال الكردستاني في صيغته القانونية والشرعية الجديدة أمام مسؤولياته على الصعيد التركي بالمجمل ليتحول ليس إلى حزب كردي وحسب بل إلى حزب ديمقراطي وطني لعموم تركيا، يكون قادراً على استقطاب عشرات الملايين من الشغيلة والمزارعين والطلاب والعلماء والمبدعين، على سياسته الديمقراطية وبرنامجه السياسي والاقتصادي والحقوقي، وهو ما سيخلق لوحة جديدة في موزاييك الصراعات الداخلية، من شأنها صياغة ملامح تركيا الجديدة على الصعيد الداخلي والإقليمي بعيداً عن جنوح الهيمنة والتوسع الإسلامي الطابع الإخواني، ولا بد أن يلقى هذا النداء التاريخي تردداته، ليس في أوساط الشعب الكردي بل أغلب شعوب المنطقة سيما وأنه ألقى بالكرة الملتهبة بين يدي النظام الحاكم في ضرورة الخروج من ذهنية الاحتكار والأحادية القومية.
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أهمية تماثل نداء القائد أوجلان مع رفاقه في حزب العمال الكردستاني الذي كان إيجابياً ومتفهماً لدواعي إنهاء الكفاح المسلح والآثار السلبية المترتبة على الاستمرار في تبني العمل العسكري، وهو حصيلة تطور مديد من المناقشات الداخلية خلال فترة اعتقال المناضل أوجلان وتبنّي ندائه التاريخي وانسجامه مع هذا النداء بالخروج من الاستعصاء الذي وصل إليه الكفاح المسلح وفهم الحزب لأهمية هذه الخطوة السياسية الثمينة وميزانها في علم السياسة المعاصر، إذ ليست كل خطوة إلى الوراء بمثابة تراجع، وليست كل خطوة إلى الأمام تقدماً، ولنا أن نتصور مدى خطر وسوء تقدير وكارثية الموقف فيما لو لم تستجب قيادة الحزب لمقترح ونداء المناضل أوجلان.
=KTML_Bold=الثبات والتحول في استراتيجية النضال التحرري الكردي=KTML_End=
لم تغادر قيم الحداثة والتحرر يوماً ردهات عقل ودماغ حزب العمال الكردستاني بل كانت في صميم برنامجه وأشد المقاتلين من أجلها دون أي مهادنة أو تنازل مبدئي سواء على صعيد الإيمان بكل معنى هذه الكلمة – بالديمقراطية وقيم العيش المشترك بين المجتمعات المحلية والقوميات داخل تركيا، أو في الموقف الأخلاقي والحضاري من المرأة، وهو ما أمكن تأطيره وتنظيمه وبلورته في النضال من أجل المجتمع والأمة الديمقراطية، هذا (الثابت الفكري والسياسي) قابله في سيرورة نضال الحزب متحولات ومتغيرات في (التكتيك) أملت على الحزب انتهاجها وفق ضرورات قاهرة وماسة وكان الكفاح المسلح (الكريلا وحرب الشعب الطويلة الأمد). بالمقابل في ظل التحول الحالي نحو السياسة الديمقراطية والقانون وفي الاتفاقات التي أُبرمت كان مبدأ الخطوات المتبادلة (خطوة سياسية من قبل الحزب مقابل خطوة تشريعية قانونية للدولة التركية) من أكثر القضايا إلحاحاً ودقة، بما فيها التوقف عن الملاحقات القضائية ورفع صفة الإرهاب عن أعضاء الحزب، والسماح بعودتهم إلى حياتهم الطبيعية والمدنية والمهنية.
=KTML_Bold=درس لا يُقدّر بثمنٍ=KTML_End=
رغم قسوة ظروف اعتقال المناضل عبد الله أوجلان وفرض العزلة عليه في سجنه إمرالي، لم يكن منسحباً عن العالم، وعما يجري في بلده بل شاهداً على ضجيج الحرب المفتوحة بين حزبه والدولة التركية، وحافزاً مسؤولاً وأخلاقياً أن يتخذ موقفاً نقدياً ذاتياً من الحرب ومن استمرار تبني الحزب للكفاح المسلح وانسداد أفق هذا الأسلوب، ولعل رسالة السلام المخلصة التي وجهها في ندائه الأخير تُلخص حرارة موقفه النقدي الذي يجب أن يكون درساً لكل سياسي ومسؤول في العالم، وعلى الأخص في منطقتنا بضرورة إعادة النظر بسياسته وخطواته وإعادة تقويمها ودراسة نتائجها، لما فيه الخير العميم وفي ذلك عودة خلّاقة إلى معنى السياسة في تعريفها الفلسفي الأرسطي القديم باعتبارها: الخير العميم. [1]