=KTML_Bold=القرن الكردي؛ حزب العمال الكردستاني.. نارٌ تُشعل درب الحرية=KTML_End=
لورنس الشعير
في زمنٍ تتصارع فيه البنادق وتضيع الحقائق بين خرائط الاستعمار وأطلال الإمبراطوريات، ينهض الكرد، أبناء الجبال والريح، ليقولوا للعالم إن الشعوب لا تُهزم ما دامت تحمل الفكرة وتؤمن بها.
من قلب كردستان المقسَّمة، خرج حزب العمال الكردستاني (PKK) منذ نصف قرنٍ لا ليعلن حربًا أبدية، بل ليحمي معنى الإنسان وحقّه في أن يكون موجودًا. واليوم، حين قرر الحزب تدمير أسلحته بملء الإرادة، بدا المشهد أشبه ببزوغ فجر جديد: زمن الكلمة والتنظيم والفكر، وزمن نار السلام التي تُشعل الطريق بدل أن تحرقه.
=KTML_Bold=فهل نحن بحق أمام ولادة قرنٍ جديد… قرن الكرد؟=KTML_End=
في الأسبوع الماضي، اجتمع التاريخ بالحاضر في مشهدٍ سريالي في جبال كردستان: مقاتلو «مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي» التابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK) يُحرقون أسلحتهم في موقع كهف “جاسنه” بمحافظة السليمانية، بقيادة شخصيات مثل بسي هوزات ونديم سفن. لم تكن تلك النار نهايةً، بل بداية؛ نارٌ تُشعل درب السلام لا درب الاستسلام. المشهد لم يكن مجرد طقس عسكري؛ بل بدا لي لوحةً روحية: هؤلاء الكريلا يشبهون في نظري حواريّو عيسى؛ رجالٌ ونساء تركوا الدنيا وراءهم، وحملوا الإيمان بفكرةٍ أكبر من أنفسهم: الحرية.
منذ تأسيسه عام 1978 بقيادة القائد عبد الله أوجلان، لم يكن حزب العمال الكردستاني حركة قومية ضيقة، بل مشروعًا تحرريًا إنسانيًا يرى الإنسان والطبيعة والحيوان كأجزاء متكاملة في منظومة الأخلاق. خمسون عامًا من المقاومة لم يكن السلاح فيها غايةً، بل وسيلة لصون الكرامة في وجه الإبادة والصهر. واليوم، حين يُحرق السلاح، يُقال للعالم: قوتنا ليست في البندقية وحدها، بل في الفكر والتنظيم والأمل.
هذا التحول التاريخي جاء استجابةً لنداء القائد #عبد الله أوجلان# في مانيفستو «السلام والمجتمع الديمقراطي» (2025)، الذي دعا إلى تجاوز الحرب نحو بناء «الأمة الديمقراطية»؛ حيث تُبنى السياسة على الاعتراف لا الإنكار، والشراكة لا الهيمنة.
«قرن الكرد» ليس شعارًا عاطفيًا، بل وصفٌ دقيق لتحول الشعب الكردي من ضحية مؤامرات التاريخ إلى فاعل في صنعه. من حركة كفاح مسلح محلية إلى قوة سياسية عالمية تطرح مشروعًا للتعايش والحرية لجميع شعوب الشرق الأوسط، هذا التحول لم يُلغِ روح الثورة؛ بل أعطاها معنىً جديدًا: مقاومة الكلمة، الدفاع عن حقوق المرأة، حماية البيئة، وبناء مجتمع ديمقراطي يُنصف الجميع.
أما تركيا، فلديها اليوم فرصة تاريخية لتختار السلام الحقيقي المبني على الاعتراف بالشعب الكردي شريكًا في وطنٍ متعدد. الكرة في ملعبها: فإما صفحة جديدة، أو استمرار الماضي.
إن الكريلا لم يعودوا فقط مقاتلين في الجبال؛ بل صاروا في نظري مثل حواريّي الفكرة؛ يحرسون نور العدالة حتى في زمن العتمة.
إنه القرن الكردي حقًا؛ قرنٌ تنتصر فيه فكرة الإنسان الحرّ على فوهة البندقية، وتُهزم فيه فلسفة الإنكار أمام مشروع الديمقراطية. حين تتحول نار الحرب إلى شعلة تنير درب المستقبل، يُثبت الكرد للعالم أن المقاومة لا تموت، بل تتجدد بروح أعمق وحكمة أصفى.
حزب العمال الكردستاني الذي قاوم نصف قرنٍ بالسلاح، يعلن أن معركة الكرامة مستمرة بالفكر والتنظيم والكلمة.
وبين جبال كردستان وساحات السياسة العالمية، يولد فصلٌ جديدٌ في حكاية شعب لم يُخلق ليركع… بل لينهض ويكتب التاريخ بيديه. [1]