=KTML_Bold=من جورج هيكل إلى القائد #عبد الله أوجلان#=KTML_End=
ملفان رسول
أعلم أن موراي بوكتشين له تأثير على القائد، وكان حزب العمال الكردستاني منذ نشأته عام 1978م بنى نظريته الفكرية والحزبية على مبادئ الماركسية التي كانت فاعلة حينها وقطعت أشواطاً في التطبيق العملي في بداياته. القائد لا ينكر هذه. كل فيلسوف وكل قائد ثورة يستمد نظريته الفلسفية والسياسية ممن يسبقونه، مع إضافات عليها حسب حاجة المرحلة وهذه يحكمها قانون “نفي النفي” الذي اكتشفه ج. هيكل الفيلسوف الألماني والمثالي الموضوعي مواليد 1770م؛ لكنه ربط التغيرات في الطبيعة والمجتمع بتدخل قوة خارجة عنها أي قوة إلهية. هنا فكر فورباخ مواليد 1804م، العالم والفيلسوف الألماني الآخر والمادي الموضوعي فيما قاله هيكل. إلا أنه أكّد على صحة ما قاله هيكل لكن بشكل مغاير؛ فقال فورباخ إن التحولات والتغيرات هي صفة جوهرية للمادة ولا علاقة لها بالقوى الخارجة عنها في تسيير الكون، فصنّف فورباخُ هيكلَ بالمثالية الموضوعية أي تفسيره صحيح للتحولات الجارية في الطبيعة؛ لكن لاعلاقة لها بالذات الإلهية مطلقاً (بكلام واضح)؛ بل هذه من جوهر وسرمدية الحياة والحركة في المادة، وقال إن مذهب هيكل ليس إلاّ ركيزة عقلانية للدين؛ أي أن فورباخ صحَّح مسارَ نظرية “نفي النفي” التي اكتشفها هيكل والتي جوهرها “وحدة الوجود وصراع الأضداد”. فبنى دايلكتيك المادة والتاريخ. ولا يوجد شيء مادي من جماد وكائنات حية وحتى المفاهيم العلمية والصناعات والعلوم الدينية والاجتماعية والأفكار عموماً، سواء المثالية أو المادية وحتى الكتابات لا تخلو من الانفلات تحت فعل هذه النظرية “نفي النفي” و”وحدة الوجود وصراع الأضداد”. هذه النظرية مثل قانون الجاذبية الأرضية لا مفر منها وهو يتحكم في كل شيء في الطبيعة والمجتمع لأجل استمرارية المادة وحفاظ الكائنات الحية على وجودها وإلا لحدث فناء مطلق لوجود الحياة على الأرض. أيْ يفعل عمله في كل زمان ومكان. وبغياب هذه النظرية التي بها يتم تفسير التحولات والتغيرات في الطبيعة والمجتمع من ذهن الإنسان قديماً وحديثاً، ذهب باتجاه آخر ضد الواقع الموضوعي في تفسير مجريات الأحداث والتحولات التي تتم في الطبيعة والمجتمع؛ فربط كلَّ شيء بقوى خارقة للطبيعة (ميتافيزيقا = ما وراء العقل)؛ وأهمل دورَ الإنسان في صنع الحضارة والتاريخ تحت مسميات “كالقضاء والقدر” كشرط الإيمان به في الإسلام؛ و”كالمكتوب على الجبين تراه العين” مقولة هندوصينية.. وغيرها.
ولهذا السبب؛ لم تستقر الإنسانية والمجتمعات منذ القديم على فكرة موحدة تجمع البشرية على رأي واحد، فظهرت آلاف الآلهة وتعددت المذاهب الفكرية وظهرت شخصيات مؤخراً باسم النبوّات والسماء؛ وقبلهم ديانات سومر وفراعنة مصر؛ ومن ثم فلاسفة أوروبا والهند والصين والشرق الأوسط ممثلاً بالفلاسفة المتصوفة المسلمين والمعتزلة الذين أخذوا الأساس في التفكير بالعقل وفضلوه على النقل، والأشاعرة الذين اختلفوا مع المعتزلة في أساس العقل؛ حيث كلهم جمعوا بين المثالية (فكرة الإيمان المطلق بالله) والفلسفة الأوروبية (الواقع الموضوعي أو المثالية الموضوعية). فهزُّوا أركان الإسلام بنقدهم للسلطات الثلاث؛ (الدين، الدولة، المال)، وهم كُثر، ولهذا دفعوا رقابَهم ثمناً لمبادئهم. خاصةً في العصر العباسي (750 1258)م. وتوجد أمثلة كثيرة وبالأسماء، حتى منهم قُدِّموا كقربان في عيد الأضحى ذبحاً كذبح الخراف في الخلافة الأموية (661 750)م. لأنهم تكلموا في الفلسفة والعلم في مجابهة أخطاء السلطة. مثال؛ الجعد بن درهم الخرساني الكردي المعتزلي الذي ضحى به خالد عبد الله القسري أمام مسجد الكوفة عام 724م؛ لأنه قال: “الله لم يكلم موسى! ولم يتخذ ابراهيمَ خليلاً “. وعلى الرغم من توصل الإنسان في معتقداته إلى التوحيد الإلهي؛ إلاّ أن الميراث الميتافيزيقي الذي تركه خلفه بعيد كل البعد عن الموضوعية؛ فكل يوم نسمع من خلال شبكة الإنترنت أقوالاً قيل منذ آلاف السنوات وخزعبلات ترفضها أبسط العقول. وفي الوقت نفسه يصدقها البعض حالياً بسبب عدم توحيد الأفكار علمياً، وأيضاً بسبب تعدد آلهة الديانات وحتى اختلاف أسمائهم وشرائعهم، تعيش المجتمعات في الشرق خاصة، في صراعات متنافرة قوية بل متناحرة سببه البقاء على البنية المثالية في وجهها الديني ثم القومي، فكل شيء في تحوّل وتغير مستمر وبتفاوت زمني إما يبدأ وينتهي بثواني مثل حوادث الانفجار، أو يأخذ التحول زمناً حتى ملايين السنين كالتحولات الجيولوجية، وتفكك المواد الصلبة القابلة للتحلل والتفسخ كالعظام.. فكل من ليست له دراية بالتحولات الجارية في الطبيعة والمجتمع فسيبقى ناقصَ المعرفة بنفسه وحوله؛ لهذا أدخل القائد مفهوم الطبيعة والمجتمع في مذكراته الأخيرة. فحين تقع عينُك على حبة قمحٍ فاعلم أن جنسَها قادمٌ من اللانهاية ماضياً وذاهبٌ إلى اللانهاية بالجهة المعاكسة -مستقبلاً- من خلال قانون التغيرات “نفي النفي” ووحدة الوجود وصراع الأضداد: (البذرة، نبتة، شتلة، زهرة، غبار الطلع في المئبر في صراع مع بويضة في الكأس داخل الزهرة يتحدان، ويشكلان وحدة جديدة هي الثمرة وداخل الثمرة خروج البذرة). ولا دخل لكائن في استمراريتها. وبعد جهود علماء في التحولات الكمية إلى النوعية وبالعكس والتي هي أيضاً سمة من سمات التغيرات في الطبيعة تحت عوامل الطبيعة أو الصناعية مثل الضغط والحرارة والطرد المركزي بالدوران السريع كما هو في المنشآت الذرية أو النووية.. تلك التي تتحكم مع القانون “نفي النفي” في مواد الطبيعة لكن بأطوار قد تكون أقل عدداً وزمناً. وكان عالم التحولات البيولوجية كمثال هو تشارلز داروين مواليد 1809م إنكليزي صاحب كتابه الشهير “أصل الأنواع”. أيضاً أحدث نقلة نوعية في مفهوم الأجناس وتطورها. فمكونات أجسامنا موجودة منذ اللانهاية وسوف ترجع إلى اللانهاية صعوداً زمنياً. وجاء ماركس مواليد 1818م الألماني الآخر اعتمد على فكرة هيكل المثالية وفكرة فورباخ المادية، علماً أن المثالية مضادةٌ تماماً للمادية، وهذان بحد ذاتهما هما ضدان متصارعان وباتحادهما يكونان وحدة تحت اسم “دايلكتيك المادة والتاريخ”. وربطَ الفكرتين بالبعض دمجاً فطوَّر ديالكتيك المادة والتاريخ، بالإضافة لنظرية التحولات؛ فبنى النظرية الشيوعية العلمية التي مصادرها- أي تأثيراتها هي الآتي:
1)-الفلسفة الألمانية الكلاسيكية مثل هيكل وفورباخ وفيختة وكانط وغيرهم.
2)- الاقتصاد السياسي البريطاني، حيث أنشأت بريطانية أول بنك للذهب من منهوبات الأفارقة والهنود الحمر في أمريكا الشمالية أثناء فترة الاستعمار، فكانت ذات اقتصاد قوي.
3)- الاشتراكية الطوباوية الفرنسية. روادها؛ سان سيمون وفورييه وفولتير وغيرهم.
وكانت مكونات الماركسية أي منهج التفكير والتطبيق وهي:
1)- المادية الديالكتيكية والتاريخية.
2)- الاقتصاد السياسي العام.
3)- الاشتراكية العلمية والشيوعية.
وعليه إن مسألة قائد الأمة الديمقراطية عبد الله أوجلان اعتمد على غيره من الفلاسفة أمر طبيعي جداً؛ لأن الفكر الإنساني الحالي هو مجموعة معارف تكدست وتراكمت في مخزون الفكر الإنساني على بعضها عبر آلاف السنوات نتيجة للتطور التاريخي المبني على جهد الإنسان في العمل لإنتاج الخيرات المادية والتفكير سواء؛ المثالية منها أو المادية (عكس المثالية) اللتين حافظتا على نفسيهما وبهما وفق معتقده. كل تالي يستمد معارفه من السابق، وبها توصلت البشرية إلى المرحلة الحالية، ولولا هذه الفلسفة لكان وضع منطقتنا في حالة غير التي نعيشها الآن.
قامت حربان عالميتان ما كان للكرد دورٌ فيها، كلٌ حصل على حقه سوى الكرد. والآن الوضع يختلف كلياً بفضل تكتيكات واستراتيجيات هذه الفلسفة، فهذه ليستْ خيالاً أو أسطورة تاريخية نقرؤها أو خيالاً في النوم نراه؛ بل نحن نشهدها بكل جوانحنا. ولا يشك عاقلٌ فيما جرى ويجري. في بداية الكفاح المسلح 15آب 1984م قال أمثال الكاكائي: إن ذلك كان مغامرة؛ وحين جاء وقت إنهاء الكفاح المسلح وفق تهيئة الظروف الموضوعية والذاتية تحت قانون “نفي النفي” ووحدة الوجود وصراع الأضداد؛ يقولون إن الحركة انتهت؛ أي يعترفون أن قوة سارية على الأرض كانت ولاتزال موجودة منذ عام 1984م وحتى اليوم. ويقول البعض: إن القائد جاء بمعلوماته من موراي وبوكتشين. وما يخطر بباله أو لا علم له نهائياً بهذا القانون؛ فماركس اعتمد على علم هيكل وفورباخ المتضادين لبعضهما وآخرين، وسارت الاشتراكية أكثر من مئَتي سنة بفضل هذه النظرية حين طبقها لينين عام 1917م في السابع عشر من تشرين الأول على أرض الواقع، أي قبل سنتين من انتهاء الحرب العالمية الأولى.. وأنا أقول: القائد لم يستفدْ من موراي بوكتشين وحده؛ بل من هيكل وفورباخ وماركس وأنجلس الاشتراكي الألماني مواليد 1820م -قبلهم وبعدهم-، وغيرهم من فلاسفة التاريخ وعلوم الاجتماع وهذا ليس عيباً.! [1]