=KTML_Bold=الهوية الوطنية لا تعني محو الهويات الصغيرة=KTML_End=
زكريا نمر
سؤال الهوية ليس ترفاً فكرياً، ولا نقاشاً ثقافياً معزولاً عن الواقع، بل هو سؤال مصيري يرتبط بمستقبل الشعوب والدول. مَنْ نحن؟ ولِمَنْ ننتمي؟ وعلى أي أساس نتشارك الوطن؟ هذه الأسئلة لا تنبع من رفاهية فكرية، بل من عمق الأزمات التي تعيشها مجتمعاتنا، حيث تتصارع الهويات الجزئية، وتتنازع ولاءات ضيقة، بينما يظل الوطن فكرة مؤجلة، أو على الأقل منقوصة، وبخاصةٍ في الدول الخارجة من الاستعمار أو النزاعات، تتحول الهوية إلى معركة مفتوحة: بين القبيلة والدولة، بين الطائفة والوطن، بين العرق والمؤسسة، بين اللهجة والدستور، بين “نحن” و”هم” داخل حدود الوطن الواحد.
الهويات الضيقة ليست شراً في ذاتها، فالانتماء إلى قبيلة أو طائفة أو ثقافة محلية هو جزء من تنوع الإنسان وثرائه، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الانتماءات إلى أدوات للإقصاء، ومعايير للتمييز، وذرائع للسيطرة. في هذا الواقع، تصبح الهوية الضيقة مشروعاً سياسياً مغلقاً، يفرّق بين المواطنين، ويقيس الولاء بناءً على الأصل أو الجهة أو العرق، ولعل أخطر ما تفعله الهويات الضيقة هو أنها تسقط صفة الوطنية عن المختلف، وتحوله إلى غريب داخل وطنه.
من مظاهر هيمنة الهوية الضيقة التوظيف على أساس الجهة أو القبيلة، تبنّي الخطاب السياسي لنبرة طائفية أو جهوية، غياب العدالة في توزيع الثروة والفرص، ظهور المليشيات أو التشكيلات المسلحة على أسس إثنية، والتمثيل السياسي المشروط بالهويات الانقسامية.
الهوية الوطنية لا تعني محو الهويات الصغيرة، بل تعني أن يتقدم الانتماء إلى الوطن على ما سواه، وأن يتم تشكيل عقد اجتماعي عادل يتساوى فيه الجميع. الهوية الوطنية هي التي تطرح سؤال كيف نعيش معاً؟ ويكون لنا دستور يحمي الجميع، قانون يساوي بين الجميع، تعليم موحد يعزز الانتماء للوطن، رموز وطنية جامعة لا حزبية أو طائفية، وإعلام ينشر خطاباً جامعاً لا تقسيمياً.
لماذا الهوية الوطنية مشروع تحرر؟ لأنها تخلع عن الدولة ثوب القبيلة أو الطائفة؛ لأنها تحرر المواطن من الخوف الوجودي الناتج عن شعوره بالتهميش، لأنها تفتح المجال لبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الكفاءة لا على المحاصصة.
لطالما عانى السودان من أزمات هوية وطنية، حيث تم تقديم هوية معينة كمرجعية عليا (عربية إسلامية) على حساب الهويات الإفريقية واللغوية والثقافية الأخرى. هذا التفضيل أفضى إلى تمردات طويلة، وانفصال جنوب السودان وتمزقات في دارفور، والنيل الأزرق، وجبال النوبة، وكان ذلك نتيجة مباشرة لغياب هوية وطنية تحتضن الجميع. كذلك فإن دولاً مثل لبنان والعراق ما زالت تعاني من المحاصصة الطائفية، فالدولة هناك لم تُبنَ على أساس مواطنة بل على توازن طائفي، ما جعل كل طائفة تتمسك بحقوقها كحصة لا كمبدأ، فتأخرت الدولة، وتقدم الانقسام.
أما رواندا، فقد قدمت نموذجاً ملهماً. بعد الإبادة الجماعية بين الهوتو والتوتسي، قررت رواندا محو التصنيف العرقي من الوثائق الرسمية، وأعلنت أن الرواندي هو الهوية الوحيدة. واستثمرت في التعليم، والمصالحة، والعدالة الانتقالية، فانتقلت من بلد مدمر إلى أحد أسرع الاقتصاديات نمواً في إفريقيا.
نحن بحاجة إلى إعادة كتابة السردية الوطنية، سردية لا تتحدث فقط عن ماضي القادة أو المعارك، بل عن مآسي المهمشين، وأحلام الأجيال القادمة، وتنوع المجتمع. نحتاج إلى تعليم لا يُقصي أحداً، يكون المنهاج فيه شاملاً لتاريخ وثقافات كل المكونات. نحتاج إلى قانون عادل يشعر فيه كل مواطن أن القانون يحميه حتى من السلطة، لا العكس. نحتاج إلى إعلام وطني مسؤول، يزرع خطاباً جامعاً، لا كراهية.
أما الثقافة السياسية، فيجب أن تنتقل من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال كيف نحكم؟ فالهوية الوطنية لا تتعلق بالأشخاص، بل بالنظام الذي يحكم علاقتنا كمواطنين داخل الدولة. حين تصبح الهوية الوطنية أوسع من كل الهويات الضيقة، نبدأ فعلاً أولى خطوات التحرر الحقيقي نتحرر من الاستبداد الذي يتغذى على الانقسام، نتحرر من الحروب التي تشتعل باسم الطائفة أو العرق، نتحرر من فكرة أن الدولة مزرعة لقبيلة أو حزب، نتحرر من العزلة داخل أوطاننا، لا يوجد وطن بلا هوية، لكن لا توجد هوية حقيقية بلا عدالة. فليكن شعارنا: الوطن يتسع للجميع، أو لا يستحق أحد أن يحكمه. [1]