=KTML_Bold=المفكر #عبد الله أوجلان# بين الأسطورة الثورية ومشروع الأمة الديمقراطية=KTML_End=
شيروان محمد
من زنزانة معزولة في جزيرة “إيمرالي”، وفي عزلةٍ مشددة دامت أكثر من عقدين، خرج فكرٌ مختلف، عابرٌ للحدود والأيديولوجيات التقليدية. عبد الله أوجلان، القائد الكردي والمفكر السياسي، لم يعد مجرد قائدٍ لحركة قومية مسلّحة، بل تحوّل إلى مُنظّر اجتماعي وفلسفي يتناول قضايا الدولة، الأمة، الديمقراطية، البيئة، والمرأة بمنظورٍ كوني – جذوره كردية، لكن فروعه تتشابك مع هموم شعوب الشرق الأوسط والعالم.
لكن من هو القائد عبد الله أوجلان؟ وكيف تحوّل من ثائر ماركسي إلى مفكر يساري معاصر؟ وما جوهر مشروعه الفكري المعروف ب “الأمة الديمقراطية”؟ وكيف تحوّل من رمز ثوري كردي إلى أحد أبرز منظّري اليسار العالمي الجديد؟
=KTML_Bold=من القومية إلى الكونية.. مسيرة فكرٍ متجدّد=KTML_End=
ولد لأسرةٍ فلاحية بسيطة ضمن مجتمع كردي مهمّش. عايش منذ طفولته، سياسات الإقصاء القومي والإنكار الثقافي الذي مارسته الدولة التركية ضد الشعب الكردي، انخرط في الحركات اليسارية التركية، متأثرًا بالماركسية اللينينية، قبل أن يؤسس عام 1978 مع رفاقه حزب العمال الكردستاني (PKK)، كحركة تحرر وطني كردي.
لكن التجربة المسلحة الطويلة، التي خاضها الحزب ضد الدولة التركية، لم تكن نهاية المطاف بل كانت بداية لانعطافة فكرية حاسمة، خصوصًا بعد اعتقاله عام 1999 بعملية استخباراتية دولية في نيروبي، وتسليمه إلى تركيا. حينها بدأت مرحلة جديدة، سُجن خلالها في عزلة تامة في جزيرة إيمرالي، لكنه في تلك العزلة بدأ مشروعًا فكريًا غير مسبوق.
=KTML_Bold=مراجعة الفكر الثوري.. التأمل من داخل الزنزانة=KTML_End=
خلال سنوات سجنه، لم يتوقف عن القراءة والكتابة. بل خاض مراجعات فكرية عميقة، أعادت صياغة جوهر نظرته إلى التاريخ والسياسة والدولة والمجتمع. تأثر بشكلٍ خاص بالفكر التحرّري اليساري الحديث، وخصوصًا أعمال المفكر الأمريكي موراي بوكتشين، صاحب نظرية “الإيكولوجيا الاجتماعية” و”الكونفدرالية الديمقراطية”.
ومع مرور السنوات، تبلور مشروع فكري متكامل، قوامه نقد الدولة القومية، والسلطة الذكورية، والرأسمالية المعولمة، مقابل طرح نموذج بديل يقوم على الديمقراطية الجذرية، والعدالة الاجتماعية، والتحرر البيئي والجندري، تحت مظلة ما أسماه “الأمة الديمقراطية”.
=KTML_Bold=الأمة الديمقراطية.. تجاوز القومية دون إنكار الهوية=KTML_End=
يعتبر المفكر عبد الله أوجلان أن الدولة القومية ليست إطارًا طبيعيًا أو تاريخيًا لوجود الشعوب، بل هي بنية سلطوية استعمارية أُنتجت في الغرب وفرضت على الشرق، فهي تفرض التجانس القسري، وتقصي التنوع الثقافي واللغوي والديني، وتُنتج العنف بدلًا من حله.
لذلك، يُعيد تعريف “الأمة” ليس كوحدة عرقية أو قومية، بل كفضاءٍ تعددي اجتماعي، يضم شعوب متعددة تعيش سويًا على أساس المساواة والتكافل والمشاركة، وفي هذا النموذج، لا تُؤسس الدولة ككيان احتكاري للسيادة، بل تُبنى “كونفدرالية مجتمعية” من الأسفل إلى الأعلى، حيث تُدار المجتمعات من خلال الكومينات والمجالس الشعبية والهياكل اللامركزية.
هذا المفهوم لا يُلغِي القومية، بل يتجاوزها، ويُعطي الهويات الثقافية حقها دون أن يحوّلها إلى أدوات قمع أو حدود سياسية.
=KTML_Bold=المرأة.. مفتاح الثورة ومركز التغيير=KTML_End=
ربما أكثر ما يُميز فكر القائد أوجلان هو نقده الجذري للنظام الذكوري، واعتباره إن “العبودية الأولى في التاريخ كانت عبودية المرأة”. فالسلطة، بحسب تحليله، بدأت حينما تم تقييد المرأة، وتحويلها من خالقة للحياة إلى ملكية تُباع وتُشترى وتُراقب.
ولهذا، فإن أي مشروع تحرري – برأيه – لا يمكن أن يتحقق دون تحرر المرأة الكامل، وهذا ما انعكس عمليًا في كل التجارب المستلهمة من فكره، وخاصةً تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، حيث أصبحت المرأة في مواقع القيادة، وظهرت وحدات حماية المرأة (YPJ) كمثالٍ عالمي على المشاركة النسوية في النضال السياسي والعسكري.
=KTML_Bold=الإيكولوجيا الاجتماعية.. السياسة من أجل الطبيعة أيضًا=KTML_End=
يتقاطع مشروع الأمة الديمقراطية مع النضالات البيئية في العالم. إذ يرى القائد عبد الله أوجلان أن الأزمات البيئية ليست مجرد نتائج عرضية للرأسمالية، بل نابعة من بنيتها العميقة التي تضع الربح فوق الحياة. لذلك، يدعو إلى “ديمقراطية إيكولوجية”، تُعيد التوازن بين الإنسان والطبيعة، وتُخضع الاقتصاد لاحتياجات المجتمع، وليس العكس.
=KTML_Bold=في أفق الشرق الأوسط الجديد=KTML_End=
لا يقدم القائد عبد الله أوجلان مشروعه كحلٍ للمسألة الكردية فحسب، بل كإطار لحل أزمات الشرق الأوسط برمّته، فمن فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى العراق، ومن تركيا إلى إيران، تتشابه البنى السلطوية القمعية، وتتقاطع المآسي. ولهذا، فإن الحل لا يكمن في استبدال دولة بأخرى، أو زعيم بآخر، بل في تفكيك نمط الدولة القومية الإقصائية، وإحلال نموذج تشاركي تعددي.
في رؤيته، الحل لا يكون عبر التقسيم، بل عبر الاعتراف بالتعدد، وتمكين المجتمعات من إدارة نفسها ضمن فضاء مشترك.
من مانديلا إلى القائد أوجلان.. رمزية الحصار والمصالحة
يشبّهه البعض ب نيلسون مانديلا، لا بسبب طول فترة سجنه فحسب، بل لأنه، مثله، دعا إلى المصالحة بعد الصراع، وفضّل الحلول السياسية على الاستمرار في العنف، لكن الفرق أن مانديلا حظي بدعمٍ دولي، بينما لا يزال المفكر عبد الله أوجلان يُصنّف “إرهابيًا” من قِبل الدولة التركية وبعض القوى الغربية، رغم دعواته المتكررة لوقف الحرب وفتح الحوار.
مع ذلك، فإن تأثيره تجاوز حدود العزل. إذ تُدرّس كتاباته في الجامعات، وتلهم حركات اجتماعية في الهند، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا. كما أن فكره أصبح مرجعًا عالميًا في مجالات العدالة الاجتماعية والتحرر النسوي.
=KTML_Bold=نحو أفقٍ جديد للفكر السياسي=KTML_End=
القائد عبد الله أوجلان لا يُقدّم فقط نقدًا للنظام الدولي، بل يُقدّم بديلًا. مشروعه لا يدعو إلى بناء “دولة كردية” بالمعنى التقليدي، بل إلى شرق أوسط لا مركزي، تعاوني، ديمقراطي، متعدد الثقافات. وقد يكون هذا هو جوهر اختلافه عن كثير من الحركات القومية التي وقفت عند حدودها.
ورغم العزلة، فإن إنتاجه الفكري، الممتد لعشرات الكتب والرسائل، بات اليوم أحد أبرز مشروعات إعادة التفكير السياسي في زمن ما بعد الحداثة، حين تفشل الدول وتتآكل المجتمعات، ويُصبح الحنين إلى الإنسانية ضرورة.
=KTML_Bold=فكر لا يُسجن=KTML_End=
في زمنٍ تتفكك فيه الأوهام القومية، وتنهار فيه الدولة القُطرية أمام أزماتها البنيوية، يقدّم المفكر عبد الله أوجلان مقترحًا قد يبدو مثاليًا، لكنه نابع من واقعٍ معاش. مشروعٌ لا يقوم على الطوباوية، بل على تجارب حيّة، أهمها في شمال وشرق سوريا.
سواء اتفقت معه أو اختلفت، فإن فكر القائد عبد الله أوجلان يستحق القراءة، لا كخيار سياسي فقط، بل كصرخة في وجه النمط السائد، وكدعوة لصياغة عالم أكثر عدالة وحرية، من داخل زنزانة… نحو المستقبل. [1]