=KTML_Bold=قفزة 15 آب ولادة فجر جديد=KTML_End=
دليار إبراهيم
في فجر #15-08-1984# ، انبثق نور جديد في سماء كردستان، حين دوّى صوت البندقية الأولى في وديان سرت وهكاري، إيذانًا ببدء مرحلة تاريخية غيرت مسار القضية الكردية إلى الأبد. لم يكن ذلك الفجر مجرد حادثة عسكرية، بل كان ولادة وعي جمعي جديد، وإعلانًا صريحًا أن هذا الشعب لن يقبل بعد اليوم العيش في الظل أو تحت سياط الإنكار. حين تقدّم الشهيد معصوم قورقماز، “الشهيد عكيد”، لقيادة العملية الأولى ضد الاحتلال التركي، كان يدرك أن هذه الخطوة لن تكون مجرد فعل مقاومة لحظي، بل بداية لمسار طويل، عنوانه الأساسي هو كسر جدار الخوف، وإعادة صياغة العلاقة بين المظلوم والجلاد. لقد حوّلت تلك القفزة إرادة الحرية من حلم مؤجل إلى واقع ملموس، ومن فكرة إلى فعل مؤثر في مجرى الأحداث.
لم يأتِ الكفاح المسلح في كردستان من نزعة عاطفية أو اندفاع غير محسوب، بل من قراءة دقيقة لواقع مغلق الأفق، حيث طُمست هوية الشعب الكردي، وحُوربت لغته وثقافته، وأُغلقت أمامه كل أبواب السياسة والحوار.
في مثل هذا الواقع، لم يعد ممكنًا انتظار حلول تأتي من أنظمة احتلالية، بل صار لزامًا على الشعب أن ينتزع حقه انتزاعًا. قفزة 15 آب لم تكن إذًا إعلان حرب عبثية، بل كانت قرارًا استراتيجيًا لتحويل القوة الكامنة في روح الشعب إلى قوة فاعلة على الأرض، تُعيد التوازن في مواجهة آلة القمع، وتفرض معادلة جديدة تقوم على أن الاعتراف بالحقوق ليس منّة، بل نتيجة تضحيات ونضال.
القائد عبد الله أوجلان أدرك منذ اللحظة الأولى أن هذه القفزة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما هي الخطوة الأولى في طريق طويل نحو بناء سلام عادل ومستدام. لقد تعامل مع الكفاح المسلح كضرورةٍ تاريخية لكسر قبضة الاحتلال، ولكنه في الوقت نفسه نظر إليه كمرحلة انتقالية يجب أن تفتح المجال أمام مسار سياسي شامل، يضمن الحقوق ويؤسس لمجتمع ديمقراطي تعددي. من موقعه كقائد، طرح المبادرات، ودعا إلى وقف إطلاق النار، وفتح أبواب الحوار، مؤكداً أن السلاح في يد الثائر يجب أن يكون وسيلة لحماية الشعب وكرامته، لا غاية بحد ذاته. هذه المبادرات، وعلى رأسها مبادرته الأخيرة “السلام والمجتمع الديمقراطي”، لم تكن ممكنة لولا إن قفزة 15 آب منحت الحركة التحررية الشرعية والقوة اللازمتين لفرض نفسها طرفًا أساسيًا في أي معادلة سلام. في مبادرته الأخيرة، رسم القائد عبد الله أوجلان رؤية متكاملة لمستقبل المنطقة، تقوم على الربط بين إرث المقاومة وروح العيش المشترك، وعلى قناعة راسخة بأن الحرية التي انتُزعت في الجبال يجب أن تتحول إلى مؤسسات ديمقراطية تحميها إرادة الناس. هذه الرؤية ترى أن المجتمع الديمقراطي لا يُبنى بقرارات فوقية أو تفاهمات آنية، بل بعملية شاملة تشارك فيها جميع الشعوب، وتستند إلى العدالة والندية. وهنا يظهر الترابط العميق بين قفزة 15 آب ومبادرة السلام الأخيرة: الأولى كسرت ميزان القوى لصالح المظلوم، والثانية تسعى لترسيخ هذا التوازن في صيغة سلمية تضمن استمرارية الحرية.
إن المسار الذي بدأ بطلقة الشهيد عكيد في فجر الخامس عشر من آب، يجد اليوم امتداده الطبيعي في الدعوة إلى السلام والمجتمع الديمقراطي، فالمقاومة التي انتزعت الاعتراف بوجود الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره، هي نفسها التي تسعى الآن إلى تحويل هذا الحق إلى واقع سياسي واجتماعي متجذر، وهذا الربط بين المقاومة وبناء السلام هو ما يجعل من التجربة الكردية مصدر إلهام لكل الشعوب التواقة إلى الحرية، وفي مقدمتها شباب شمال وشرق سوريا، الذين يدركون إن السلام الحقيقي لا يولد من الاستسلام، بل من القدرة على فرضه عبر إرادة جماعية لا تلين.
هكذا، تبقى قفزة 15 آب أكثر من مجرد ذكرى؛ إنها فعل حيّ يمتد في الزمن، وروح تسكن في كل مشروع تحرري، وأساس لكل مبادرة تهدف إلى بناء مستقبل قائم على الكرامة والحرية، وهي في جوهرها، رسالة واضحة تقول إن الشعوب التي تعرف كيف تقاوم، تعرف أيضًا كيف تصنع السلام، وإن البندقية التي حمت الهوية يمكن أن تتحول إلى قلم يرسم ملامح مجتمع ديمقراطي يتسع للجميع. [1]
کوردیپێدیا بەرپرس نییە لە ناوەڕۆکی ئەم تۆمارە و خاوەنەکەی لێی بەرپرسیارە. کوردیپێدیا بە مەبەستی ئەرشیڤکردن تۆماری کردووە.
ئەم بابەتە بەزمانی (عربي) نووسراوە، کلیک لە ئایکۆنی

بکە بۆ کردنەوەی بابەتەکە بەو زمانەی کە پێی نووسراوە!
دون هذا السجل بلغة (عربي)، انقر علی ايقونة

لفتح السجل باللغة المدونة!
ئەم بابەتە 54 جار بینراوە
ڕای خۆت دەربارەی ئەم بابەتە بنووسە!