=KTML_Bold=من الشيخ سعيد إلى حزب العمال الكردستاني.. تحولات النضال الكردي في مائة عام=KTML_End=
د. طه علي أحمد
في ذكراها المئوية لا تزال الثورة التي قادها الشيخ سعيد بيران عام 1925م، تحظى بالكثير من الاهتمام كونها إحدى المحطات التاريخية في مسار النضال الكردي، ليس فقط بسبب حجمها العسكري والسياسي، بل لأنها جسَّدت بعُمقٍ وعي الذات الكردية، وشكّلت التعبير الأول عن رفض الكرد للواقع الجديد الذي فرضته الجمهورية التركية بعد انهيار الدولة العثمانية، وتخليها عن أي اعتراف بالهوية الكردية، فيما يجسد ما يعرف ب “الاندماج الطائفي الإكراهي” الذي يرتكز على “الصهر الثقافي” كاستراتيجي لإخضاع كافة مكونات المجتمع تحت الراية الثقافية للفئة المهيمنة، وهو ما لم يكن الوحيد من نوعه في الشرق الأوسط بل رأينا نماذج “التفريس” نسبة لمحاولات فرض المشروع الفارسي في إيران على الشعوب غير الفارسية، وكذلك التعريب في إطار الممارسات السياسية والثقافية لقادة “القومية العربية” على مدار النصف الثاني من القرن العشرين.
بالفعل لم تحقق ثورة الشيخ سعيد أهدافها المباشرة، إذ تعرضت لردود فعل قمعية سريعة نسبيًا من جانب الدولة التركية الوليدة. وكما لم تكن هذه الانتفاضة استثناءً في التاريخ الكردي، لم يكن رد الدولة التركية استثنائياً مع مثل هذه المحاولات كما حدث لاحقاً من الجانب الإيراني تجاه تجربة جمهورية مهاباد وإعدام زعيمها قاضي محمد عام 1946.
رغم ذلك، إلا أن الأثر الاستراتيجي لثورة الشيخ سعيد قد امتد لعقود تالية؛ لاسيما وأنها أرسَت أسس الوعي القومي الكردي الحديث، وأسهمت في بلورة فكرة النضال السياسي والثقافي والاجتماعي من أجل الحقوق القومية، في مواجهة مشروع “التتريك” الذي تبنّته أنقرة.
فما أن نجحت مهمة مصطفى كمال أتاتورك في تأسيس الجمهورية التركية في #29-10-1923# ، وضمانه دعم القوى العظمى وتغاضيه عن مذابح الأرمن والسريان وحقوق الكرد، بدأ أتاتورك التنصل بكل وعوده للكرد، وهو ما جسَّده دستور تركيا الذي تبنته الجمعية الوطنية حينما حرَّم استعمال اللغة الكردية في الأماكن العامة، كما أتاحت القوانين الجديدة مصادرة أراضي المُلَّاك الكرد ومنحها للناطقين التركية. وقد تأكد ذلك من خلال ما يُعرف ب “خطة إصلاح الشرق” التي أقرَّتها الحكومة التركية عام 1925م التي نصَّت على حظر اللغة الكردية في التدريس، ونفي عددٍ من العائلات الكردية، وإنشاء وحدة تفتيش عامة تتولى الإشراف على منطقة شرق تركيا “كردستان”، وقد كان لذلك أثر كبير في توجه بعض زعماء الكرد لتأسيس جمعية “خويبون” (الاستقلال) في 1927، ومن خلالها قيادة التمرد الثوري الذي عُرف ب “ثورة آكري” بين 1927 – 1930، لتقابلها القوات التركية بحملة قمعٍ مُمَنهج مارست من خلالها سياسة عقاب جماعي قتلت خلالها الآلاف من الكرد ودمَّرت مئات القرى. وفي عام 1934م أصدرت الحكومة التركية قانون “إعادة التوطين” أفرغت من خلاله مناطق الكرد واستبدلتهم بعدد من المهاجرين القادمين من القوقاز والبلقان وغيرهم، وقد زعمت الحكومة آنذاك أنها تهدف لإعادة هندسة البنية الاجتماعية وفرض لغة موحدة كما قال وزير الداخلية وقتها شكري كايا، بما يعني الاندفاع المُمَنهج نحو صهر الكرد وتتريكهم ثقافيًا وسياسيًا، عبر خطوات تالية مثل “قانون ديرسم” الذي غيَّر اسم المدينة ذات الطابع الكردي وأعاد توطينها، لتنطلق ثورة ديرسم (1937 – 1938م) كحلقةٍ جديدة من سلسال النضال الكردي الذي لم يتوقف حتى ظهر على الساحة حزب العمال الكردستاني ليتخذ النضال الكردي شكلًا يلاءم العصر الذي ظهر فيه. وكامتداد لحركات التحرر التي ظهرت في خمسينات وستينات القرن العشرين، حرص مؤسس الحزب وقائده عبد الله أوجلان مع رفاقه ترسيخ صورة مغايرة للحزب تتجاوز أشخاص قادته بحيث يتواصل النضال حتى وإن قضى القائد عبد الله أوجلان أكثر من ربع قرن خلف القضبان، ليجسَّد حزب العمال حالةً مغايرةً للحركات والانتفاضات التي انتهت بغياب القائد أوجلان، كما حدث عند نفي الشيخ عبيد الله النهري، وإعدام الشيخ سعيد بيران، وقاضي محمد.
لكن ذلك لم يمنع القول بأن توجهات ثورة الشيخ سعيد المناهضة لمشروع التتريك التركية وليس لمجرد إقامة إمارة كردية جعلتها مصدرًا للإلهام سواء حينما مع تأسيس جمعية “خويبون” أو ثورة آكري وثورة “ديرسم” وغيرها وصولًا للتحول الجذري في النضال الكردي الذي جسَّده ظهور حزب العمال الكردستاني كحركةٍ نضالية مجتمعية تنطلق من أرضية أيديولوجية وفي تنظيم مؤسسي وعسكري احترافي مُحكم. ولهذا، فإن عبارة “فشل الثورة” لا تنطبق على ثورة الشيخ سعيد الذي جمع بين الزعامة الدينية والعشائرية، ليظل في مكانة رمزية عَميقة في الوجدان الكردي، باعتبارها أول محاولة منظمة لإعلان رفض الانصهار القسري في الدولة القومية التركية. بل إنها فضحت أمام العالم حقيقة السياسات القمعية التي واجهت بها تركيا كل شعب غير تركي يسعى للاعتراف والكرامة، فبعد مائة عام من ثورة الشيخ سعيد فإن نظرة مقارنة للمائة عام الأخيرة تكشف عن التحولات والمكتسبات التي فرضها النضال الكردي سواء في الداخل التركي أو في بقية دول المنطقة. بشكلٍ عام، لا يمكن الحكم على ثورة 1925 باعتبارها مجرد حدث من الماضي، بل هي شاهدٌ دائم على إرادة شعب رفض أن يُمحى من الخريطة الثقافية والسياسية، وهي – رغم ما شابها من ظروف محلية ودولية صعبة – تظل نقطة ارتكاز تاريخية في سردية الكفاح الكردي، الذي ما زال مستمراً بأشكال متعددة حتى اليوم. [1]
کوردیپێدیا بەرپرس نییە لە ناوەڕۆکی ئەم تۆمارە و خاوەنەکەی لێی بەرپرسیارە. کوردیپێدیا بە مەبەستی ئەرشیڤکردن تۆماری کردووە.
ئەم بابەتە بەزمانی (عربي) نووسراوە، کلیک لە ئایکۆنی

بکە بۆ کردنەوەی بابەتەکە بەو زمانەی کە پێی نووسراوە!
دون هذا السجل بلغة (عربي)، انقر علی ايقونة

لفتح السجل باللغة المدونة!
ئەم بابەتە 111 جار بینراوە
ڕای خۆت دەربارەی ئەم بابەتە بنووسە!