=KTML_Bold=الحوار العربي الكردي نحو عقد اجتماعي جديد=KTML_End=
د. طه علي أحمد
يُبرز تاريخ الشرق الأوسط إرثًا غنيًا من التعايش العربي الكردي، مدعومًا بدور الإسلام في احتضان التنوع العرقي والديني، ما أسهم في بناء حضارة قائمة على التكامل حافظ الكرد خلالها على خصوصيتهم الثقافية، حيث شاركوا منذ فجر الإسلام في “الفتوحات الإسلامية”، وكان لهم رموز بارزة مثل الصحابي “أبو ميمون الكردي” والقائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي. كما ساهم علماء وأدباء كرد في صياغة الفكر الإسلامي، كمولانا إدريس البدليسي. وفي العصر الحديث، برز دورُ الكرد في مقاومة الاستعمار، حيث اقترنت نهضتهم القومية برغبتهم الدائمة في التحرر، فظهر قادةٌ كرد مؤثرون كالأمير محمد الرواندوزي، والشيخ سعيد بيران، والشيخ محمود الحفيد، الذين قادوا حركات نضالية ضد القوى الاستعمارية ومحاولات طمس الهوية الكردية. ورُغم الضغوط التي مارستها القوى الاستعمارية في مطلع القرن العشرين لترسيخ دعائم الدولة القومية بما يخدم مصالحها الإمبريالية، اختار الكرد التعايش مع العرب ضمن “مملكة العراق” بعد خلاف “ولاية الموصل” عام 1918م، واندمجوا في التشكيلات العسكرية والسياسية متعددة القوميات في العراق مطلع القرن العشرين، ورغم الأذى الذي خلّفه الاستعمار على الكرد، فإن سياسات النخب الحاكمة بعد الاستقلال ساهمت في تعميق الفجوة بين العرب والكرد، ما فرض الحاجة إلى الحوار، وهو ما تجلَّت بعض مؤشراته في المبادرة التي قادتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن عام 1992 حيث نوقشت بعض القضايا ذات الصلة مثل “الحكم الذاتي”، و”الفيدرالية” من منظور حقوقي.
=KTML_Bold=بوادر إيجابية للحوار العربي الكردي=KTML_End=
لكن هذه البادرة الإيجابية، قد اصطدمت بواقع الاقتتال الذي شهدته هذه الفترة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، والذي أسفر عن آلاف الضحايا. وبعد انتهاء النزاع، أُقيمت جولةٌ حوار ثانية موسعة في القاهرة عام 1998، بمشاركة شخصيات عربية وكردية بارزة، ما أعاد الأمل في تعزيز التفاهم والتعايش.
يُذكر أنه في جولة القاهرة، فعاليةٌ أكاديميةٌ في الدوحة عام 1997 بعنوان “العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات”، نظمها المركز العربي للأبحاث إلا أنه رغم محاولتها دراسة العلاقة بين الطرفين، لكن تركيزها انحصر إلى حدٍ كبير على تجربة إقليم كردستان العراق، حيث ناقشت الأوراق المقدمة موضوعات مثل الفيدرالية والانفصال والعلاقة بين المركز والإقليم في العراق، ما أضفى على الفعالية منظورًا محدودًا جغرافيًا.
واستمراراً لهذا المسار، انعقدت جولة أخرى للحوار في عمّان عام 2022 تحت عنوان “العرب والكرد… الحوار طريق المستقبل المشترك”، وشاركت فيها شخصيات من مختلف الدول، وقد تميَّز هذا اللقاء بطرح قضايا عميقة، مثل الهواجس المشتركة، ودور المرأة في دمقرطة المجتمع، وسُبل بناء مستقبل قائم على التعايش، مما أضاف بُعدًا مجتمعيًا وفكريًا نوعيًا للحوار العربي الكردي.
=KTML_Bold=الإدارة الذاتية كوعاء للحوار القائم على التعايش=KTML_End=
رغم ذلك، وفي آتون الرياح الثورية التي شهدتها المنطقة تحت مُسمَّى “الربيع العربي”، اتسعت آفاق التقارب بين العرب والكرد، خاصةً في سوريا حيث واجه الطرفان تهديداً مشتركًا جسَّده نظام الحكم القومي الأحادي، مما عزَّز التقارب السياسي والثقافي بشكلٍ ملموس. وفي هذا الإطار، برز نجم “الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا” التي مثلت وعاءً للتعايش المتجاوز للحدود الثقافية والعرقية والدينية …إلخ، وهو ما يرجع بشكلٍ رئيس إلى الإطار الفكري المرجعي الذي استندت عليه “الإدارة الذاتية” والذي جسدته أطروحة “الديمقراطية” للمفكر عبد الله أوجلان الذي صاغ إطارًا ذهنيًا قائمًا على التعايش المستند على الدور المحوري للمرأة، وهو ما يجعلنا بصدد إطارٍ غير تقليدي وجديد على النسق الثقافي والاجتماعي والسياسي للشرق الأوسط الذي تشكل في إطار منظومة الحداثة الرأسمالية تاريخيًا، لتشهد المنطقة تجربة ملهمة للحوار العملي الذي فرضته تجربة التعايش بين العرب والكرد وغيرهم في إطار “الإدارة الذاتية”.
=KTML_Bold=الحوار وآفاق المستقبل=KTML_End=
مع تزايد الوعي بأهمية الحوار كأداة لتحقيق الاستقرار والتعايش، تبرز الحاجة إلى ترسيخه كثقافةٍ عامة تتجاوز المسارات الصراعية، ويمكن ذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
المعرفة الموضوعية كأساس للحوار:
تلعب المعرفة المتوازنة دورًا محوريًا في تعزيز الفهم المشترك بين العرب والكرد، وإن كان الواقع يفرض الحاجة لمناهضة الجهل القائم على التصورات السطحية أو المشوهة، والتي يغذيها الاستشراق وتجاهل النخب القومية للتاريخ المشترك. لذا، يستوجب الأمر العودة إلى المصادر الأصلية العربية والكردية لتشكيل وعي أكثر عمقًا وموضوعية بالتاريخ والثقافة المشتركة، بعيدًا عن الرؤى الأيديولوجية أو الغربية المنحازة.
=KTML_Bold=مأسسة ودمقرطة الحوار:=KTML_End=
يتطلب الحوار إطارًا مؤسسيًا دائمًا، يقوم على مبادئ الديمقراطية، ويوفر أدوات واضحة تُراعي خصوصيات الأطراف المختلفة. يمكن أن يتخذ هذا الإطار شكلاً فيدراليًا، كصيغة تضمن المشاركة الفعالة وتعزز من قيم المواطنة، وقبول الآخر، والعدالة في الحقوق والواجبات، بما يسهم في إنهاء الصراعات القائمة على الهوية.
=KTML_Bold=الحوار كقوة ناعمة بديلة عن القمع:=KTML_End=
تُعد استمرارية الحوار وانتظامه شكلاً من أشكال القوة الناعمة، في مقابل الأساليب القهرية التي اعتمدتها الأنظمة الحاكمة، وقد أثبتت التجربة التاريخية فشل القمع في إدارة التنوع. وبالتالي، فإن توسيع الأنشطة الثقافية، الإعلامية، والرياضية المشتركة بين العرب والكرد يمكن أن يشكل مدخلاً لتغيير الصور الذهنية السلبية، والتأكيد على الكرامة كقيمة إنسانية مشتركة.
وبالتالي، فمع احتدام الأزمة البنيوية المركبة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، خاصةً في مناطق التماس بين العرب والكرد سواء في العراق أو سوريا أو غيرها حيث تسود البيئة الأمنية والاجتماعية الرخوة لغياب السياسات الاجتماعية والثقافية الرشيدة وتزاحم المشاريع الاستعمارية على المنطقة (الطوراني، والفارسي، والصهيوني)، في ظل هذا كله لم يعد أحد بمعزل عن التهديد.
بعبارةٍ أخرى، فإن الحوار العربي الكردي القائم على الذهنية التشاركية كعقدٍ اجتماعي جديد يعد بمثابة ضرورة استراتيجية لمواجهة هذه التحديات وبناء شراكة أمنية تُعزز الاستقرار الإقليمي الذي بات رهناً بحل القضيتين المركزيتين في المنطقة (الفلسطينية والكردية) كونهما قد خرجتا من رحم الحداثة الرأسمالية وتواجهان عدواً مشتركاً لم تعد أهدافه خافية على أحد. [1]