=KTML_Bold=في ذكرى تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية.. الإنجازات والتحديات=KTML_End=
محمد حمود
يصادف السادس من أيلول من كل عام ذكرى تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، وهي تجربة رائدة من أبرز النماذج السياسية والاجتماعية في المنطقة؛ وأبرز منجزات ثورة التاسع عشر من تموز التي انطلقت من كوباني عام 2012م.
جاءت هذه التجربة في سياق الأزمة السورية المستمرة منذ عام 2011، لكن جذورها تمتد إلى عقود من التهميش والقمع الذي فرضه النظام البعثي منذ عام 1963، ورغم التحديات الهائلة، من هجمات عسكرية وغياب دعم دولي حقيقي، تمكنت الإدارة الذاتية من بناء نموذج ديمقراطي شامل، يجمع بين مختلف شعوب ومكونات المنطقة، محققةً إنجازات بارزة على الصعيدين السياسي والاجتماعي.
في هذا المقال التحليلي، نسلط الضوء على أهمية هذه التجربة، وإنجازاتها، وأهميتها وأهدافها، والتحديات التي تعترضها، ودورها نموذجاً يحتذى به في إدارة التعددية والتعايش السلمي.
ولعقود من السياسات القمعية التي مارسها النظام البعثي تجاه شعوب سوريا، وخاصة الكرد، والسريان، والآشوريون، فتم حرمانهم من حقوقهم الأساسية، والكرد حرموا من الجنسية، هذا الإرث القمعي، إلى جانب اندلاع الثورة السورية عام 2011، خلق فراغاً سياسياً وعسكرياً استغلته شعوب شمال وشرق سوريا لبناء نموذج إداري جديد يعكس تطلعاتها نحو الحرية والعدالة.
=KTML_Bold=القضاء على إرهاب داعش=KTML_End=
في عام 2012، انطلقت شرارة ثورة 19 تموز من كوباني، التي شكلت نقطة تحول في مسيرة النضال، سرعان ما امتدت هذه مناطق أخرى مثل عفرين والجزيرة، التي أُسِّست على إثرها الإدارة الذاتية في كل من الجزيرة، وعفرين، وكوباني، وبعد تحرير مناطق شمال وشرق سوريا من داعش، كان لا بد من تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، والتي تم الإعلان عنها في #06-09-2018# ، هذه التجربة استندت إلى رؤية فلسفية وسياسية تركز إلى الديمقراطية التشاركية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، مستلهمةً من أفكار القائد عبد الله أوجلان ومشروعه “الأمة الديمقراطية”.
يُعد انتصار قوات سوريا الديمقراطية على مرتزقة داعش الإرهابي من أبرز إنجازات الإدارة الذاتية، فتمكنت هذه القوات من تحرير مدن رئيسية مثل الرقة ودير الزور؛ ما أعاد الأمن والاستقرار إلى مناطق كانت تحت سيطرة الإرهاب، هذا الإنجاز كان له أبعاد إنسانية وسياسية، فساهم في حماية التعددية الثقافية والدينية في المنطقة، وأثبت قدرة الإدارة الذاتية على مواجهة التحديات الأمنية بكفاءة عالية.
أرسى النظام الديمقراطي التشاركي الذي تبنته الإدارة الذاتية أسساً لإدارة التعددية المجتمعية بطريقة عادلة وشاملة، يتيح هذا النموذج لجميع الشعوب بمختلف أعراقهم وأديانهم، بما في ذلك الكرد، والعرب، والسريان، والآشوريون، والتركمان، المشاركة في صنع القرار من خلال مجالس محلية ومؤسسات تتخذ الرئاسة المشتركة كأساس.
مشاركة المرأة في الإدارة الذاتية هي ثورة بحد ذاتها، حيث لعبت المرأة دوراً محورياً في المجالات كافة، من خلال تأسيس وحدات حماية المرأة، وشاركت النساء في العمليات العسكرية ضد داعش؛ ما أظهر شجاعتهن وقدرتهن على القيادة في أصعب الظروف.
على الصعيد السياسي والاجتماعي، تم تبني سياسات تعزز المساواة بين الجنسين، مثل نظام الرئاسة المشتركة الذي يتطلب وجود قيادة مشتركة، هذا النهج جعل الإدارة الذاتية نموذجاً عالمياً في تمكين المرأة.
=KTML_Bold=رغم التحديات حققت مكاسب=KTML_End=
وعملت الإدارة الذاتية على رفع القيود المفروضة على الثقافات واللغات الأخرى، أصبح التعليم باللغة الكردية متاحاً لأول مرة منذ عقود، كما تم دعم الأنشطة الثقافية والفنية التي تعزز هوية الشعوب المختلفة في المنطقة، هذه الخطوات ساهمت في تعزيز الشعور بالهوية والكرامة لدى الشعوب، التي عانت من التهميش لفترات طويلة، وساعدت في بناء مجتمع متماسك يحترم التنوع.
على الصعيد الاقتصادي، طورت الإدارة الذاتية نظاماً يعتمد التعاونيات والاقتصاد البيئي، بعيداً عن النماذج الرأسمالية التقليدية، وركزت هذه السياسات على تحقيق الاكتفاء الذاتي، والاستقلال الاقتصادي، من خلال دعم الزراعة، وإنشاء تعاونيات لتوزيع الموارد، وتعزيز المشاريع البيئية، هذا النموذج الاقتصادي، يركز على العدالة الاجتماعية، ما ساهم في تحسين مستوى المعيشة في مناطق تعرضت لدمار الحرب.
رغم هذه الإنجازات، واجهت الإدارة الذاتية تحديات كبيرة، أبرزها الهجمات العدوانية للاحتلال التركي، التي استهدفت مناطق مثل عفرين وسواها، إلى جانب غياب دعم دولي حقيقي، كما عانت المنطقة من حصار اقتصادي ونقص في الموارد، ومع ذلك، تمكنت الإدارة الذاتية من الصمود وتطوير هيكلياتها الاقتصادية، والاجتماعية، عكس ذلك قوة الإرادة الجماعية لشعوب المنطقة.
تُعد تجربة الإدارة الذاتية نموذجاً ملهماً للعالم، خاصة في المناطق التي تعاني من الصراعات العرقية والدينية، حيث استطاعت بناء نظام ديمقراطي تشاركي، تمكنت من تحقيق التعايش السلمي والعدالة الاجتماعية، حتى في أصعب الظروف، كما مكنت المرأة للقيام بدورها، وأحيت الثقافات المهمشة ما جعلها نموذجاً يُحتذى به في إدارة التعددية المجتمعية.
تمثل الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، إشراقة أمل في منطقة مزقتها الحروب والنزاعات، من خلال إنجازاتها في هزيمة الإرهاب، وبناء نظام ديمقراطي تشاركي، وتمكين المرأة، وإحياء الثقافات، وتطوير الاقتصاد المجتمعي، أثبتت هذه التجربة أن الشعوب قادرة على تجاوز التحديات وبناء مستقبل يقوم على العدالة والحرية.
ومختصر القول: الإدارة الذاتية في ذكرى تأسيسها، لم تعد تجربة محلية، بل نموذجاً عالمياً يستحق التقدير والدعم لمواصلة مسيرتها الاستثنائية. [1]