=KTML_Bold=القائد #عبد الله أوجلان# .. من طالبٍ ثوري إلى قائد وفيلسوف عصري=KTML_End=
لورنس الشعير
البذور الأولى والواقع السياسي في شمال كردستان
وُلِد المفكر عبد الله أوجلان عام 1949 في إحدى القرى الجبلية الواقعة في شمال كردستان، حيث امتزجت الطبيعة الجبلية الشامخة مع حياة قروية بسيطة تعتمد على الزراعة وتربية المواشي. منذ طفولته، واجه تحديات الحياة اليومية، لكن ذلك لم يُثنِه عن تطوير طموحه الفكري وإحساسه المبكر بهويته الكردية، فقد شهد منذ سنواته الأولى سياسات التتريك التي سعت إلى محو اللغة والثقافة الكردية، ما أطلق بداخله شعورًا مبكرًا بالاغتراب والتميّز، وجعله يسائل مفاهيم العدالة والحرية منذ الصغر.
شهدت المنطقة التي نشأ فيها آثار الانكسارات السياسية السابقة للشعب الكردي، فقد كانت تجربة جمهورية مهاباد عام 1946 في إيران مثالًا مؤلمًا على صعوبة تحقيق الحكم الذاتي. وفي العراق، أسهمت ثورة الملا مصطفى البارزاني عام 1975 في إدراك الكرد أن الحركات المسلحة التقليدية غالبًا ما تواجه تحديات خارجية، تجعل استمرارها صعبًا دون دعم سياسي وإقليمي متين. أما في تركيا، فكانت الظروف أكثر تعقيدًا، مع سياسات التتريك وقمع أي نشاط كردي منظم، مما زاد من شعوره بالضرورة الملحة للوعي بالهوية الكردية والسعي نحو التغيير.
خلال سنوات دراسته الأولى، برز القائد أوجلان بشخصيةٍ عنيدة وفضول فكري كبير. لم يكن يرضى بالأجوبة الجاهزة، وكان دائمًا يبحث عن أسباب الظلم والتمييز الذي يعانيه شعبه. وقد ساعدته هذه الصفات على تطوير مهاراته في النقاش والإقناع، ما أكسبه احترام زملائه ومعلميه. كانت هذه الفترة مرحلة تشكيلية هامة، حيث بدأت تتضح ملامح شخصيته كطالب يسعى لفهم أعمق للعدالة والحرية، بعيدًا عن الشعارات السطحية.
=KTML_Bold=تكوّن وبروز الشخصية القيادية=KTML_End=
عند انتقاله إلى أنقرة لدراسة العلوم السياسية، انفتح على عالم جديد من الفكر والسياسة. التقى بالحركة الطلابية اليسارية، واطلع على كتب ماركس ولينين، كما درس الفلسفة السياسية والاقتصاد والاجتماع. ومع ذلك، لم يكتفِ بالمنهج اليساري التقليدي، بل كان دائمًا يطرح سؤالًا محوريًا: “كيف يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية إذا تم تجاهل شعب كامل يُحرم من هويته؟” هذا السؤال لم يقتصر على الفكر النظري، بل أصبح قاعدة لفهمه للعالم والسياسة، ما جعله شخصية فكرية بارزة بين زملائه.
في هذه الفترة، بدأت تتشكل مجموعة من الطلاب الكرد المثقفين الذين سيشكلون لاحقًا نواة حزب العمال الكردستاني. كان هؤلاء الطلبة مزيجًا من الفكر اليساري العالمي والوعي القومي الكردي، يحملون شعورًا بالمسؤولية تجاه مجتمعهم، ومصممين على البحث عن سبل عملية للتغيير، بعيدًا عن الانقسام الداخلي أو الاستسلام للوضع الراهن.
القائد عبد الله أوجلان كان أبرز وجوه هذا الجيل، حيث جمع بين الجرأة الفكرية والقدرة على القيادة والمقاربة العملية للمشاكل الاجتماعية والسياسية. خلال هذه السنوات، بدأ القائد عبد الله أوجلان بتطوير الفكر الباطني المبكر الذي سيصبح لاحقًا حجر الأساس لفلسفته الإنسانية والسياسية. كان يراقب المجتمع من حوله، يفكر في طرق لتجاوز القهر والتمييز، ويبحث عن صيغة تجمع بين العدالة الاجتماعية والقومية، مع الالتزام بالقيم الإنسانية العامة. هذه المرحلة شكلت الأساس لتطور رؤيته الفكرية والسياسية لاحقًا، وأظهرت شخصيته كطالبٍ يسعى ليس فقط للمعرفة، بل لبناء وعي جماعي قادر على مواجهة التحديات المستقبلية.
إن تأثير شخصية كالقائد عبد الله أوجلان على محيطه الطلابي كان واضحًا منذ البداية، حيث ألهم زملاءه للتفكير النقدي والبحث عن حلولٍ عملية، وليس الاكتفاء بالشعارات، وقد ساعدت هذه التجربة في تكوين شخصية قيادية متوازنة، تجمع بين الفكر العميق والقدرة على التأثير في الآخرين، وهو ما مهد الطريق لاحقًا لتأسيس حركة سياسية وتنظيم جماهيري كبير.
=KTML_Bold=تأسيس حزب العمال الكردستاني والكفاح المسلح=KTML_End=
في #27-11-1978# ، اجتمع مجموعة من الشباب المثقفين في قرية (فاس) التابعة لمنطقة آمد شمال كردستان، بقيادة القائد عبد الله أوجلان، لتأسيس ما أصبح لاحقًا رمزًا للنضال السياسي والثقافي للشعب الكردي: حزب العمال الكردستاني (PKK). كانت القرية تحيط بها التلال الخضراء، ويمتزج فيها جو الريف البسيط مع أفكار الشباب المتقدة، الذين حملوا على عاتقهم مهمة كبرى: الدفاع عن هوية شعبهم واستعادة كرامته.
جاء تأسيس الحزب بعد تراكم طويل من المعاناة القومية، بدءًا من سقوط جمهورية مهاباد عام 1946، وتجارب الثورات الكردية في العراق وتركيا خلال العقود السابقة، مرورًا بالقمع الممنهج للغة والثقافة الكردية، والممارسات القاسية التي واجهها القرويون والأكاديميون على حدٍ سواء. هذا الواقع شكل دوافع الطالب والمفكر والإنسان؛ القائد عبد الله أوجلان ورفاقه لتأسيس تنظيم سياسي وعسكري قادر على توحيد الشعب الكردي والعمل على حماية هويته، وبناء مستقبل أكثر عدلاً.
منذ اللحظة الأولى، غرس القائد أوجلان مبدأ الاعتماد على الذات، فرفض الحزب أي تمويل خارجي، مؤكدًا أن كل عضو يجب أن يساهم من ماله الخاص، وإن الموارد التي تُنفق من أجل قضية الشعب الكردي هي مال مشروع، هذا المبدأ لم يكن شعارًا، بل أصبح ثقافة راسخة داخل الحزب، تشجع على الالتزام والانضباط، وترسخ مفهوم التضحية الفردية من أجل الهدف الأعلى.
ركز الحزب على تطوير الفكر والوعي بين الشباب. فقد نظم دورات سرية لتعليم اللغة الكردية في القرى والمدن، حيث التقى المعلمون بالطلاب في أماكن مخفية لتعليم القراءة والكتابة، في خطوة ثورية للحفاظ على الهوية الثقافية، وسط بيئة رسمية تمنع تعليم الكردية. كما نظم الحزب فعاليات ثقافية وفنية سرية، مثل المسرحيات والندوات الأدبية التي تناولت التاريخ الكردي ومعاناة الشعب، بهدف تعزيز الروح الوطنية والفكرية بين السكان.
وفي #15-08-1984# ، أعلن حزب العمال الكردستاني بدء الكفاح المسلح ضمن حق الدفاع المشروع، وكانت هذه الخطوة بمثابة تحول الحركة من مرحلة الفكر إلى العمل الميداني الفعلي. جاءت العمليات الأولى كرد فعل مباشر على السياسات القمعية التي كانت تمارسها الدولة التركية، بما في ذلك منع استخدام اللغة الكردية واعتقال القرويين والمثقفين، وتشريد السكان من مناطقهم. وقد قال أحد كبار أعضاء الحزب الذين عاصروا هذه المرحلة: “لم يكن الهدف مجرد مواجهة السلاح بالسلاح، بل كان إعلانًا واضحًا أن الشعب الكردي لن يرضخ بعد اليوم للقمع والإهمال”.
امتد تأثير الحزب ليشمل الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية. لم يقتصر دوره على الجانب العسكري، بل أسس هيكلًا مدنيًا وثقافيًا متكاملًا، حيث نظم دورات سرية لتعليم اللغة الكردية، وأنشأ ورش عمل للفن والمسرح، كما دعّم الفنانين والمثقفين لإحياء التراث الكردي والحفاظ على اللغة.
وكان الفنان آرام ديكران من أبرز الشخصيات التي شهدت هذه المرحلة، وقال حول ذلك: “رأيت كيف ألهم الحزب الشباب لإعادة اكتشاف هويتهم، وكيف ساعد النشاط الثقافي والفني على إحياء اللغة الكردية، وكان ذلك مصدر إلهام لأغني للمجتمع الكردي”.
كما أعطى الحزب اهتمامًا خاصًا للإعلام والإعلاميين، باعتباره وسيلة لنشر الوعي السياسي والثقافي. فقد درّب الإعلاميين الكرد لتغطية الأخبار والأحداث بطريقة موضوعية، وحافظ على حريتهم في نقل الحقيقة، مع التركيز على توعية المجتمع وحماية الهوية الثقافية والسياسية. وفي آذار 1995، أطلق الحزب قناة MED TV الفضائية، لتصبح أول قناة كردية تبث عبر الأقمار الصناعية، ونقلت صوت الشعب الكردي للعالم، وعرضت البرامج التعليمية والثقافية والفنية بعدة لغات.
العلاقات الثقافية والإقليمية ودور المرأة
في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، برز القائد عبد الله أوجلان كمفكر استراتيجي يربط بين السياسة والثقافة والحقوق الاجتماعية، مع اهتمام خاص بقضية المرأة ودورها في المجتمع الكردي. وحرص على بناء شبكة علاقات واسعة مع المثقفين والسياسيين العرب ومع الأتراك والإقليميين، من خلال اللقاءات الفكرية والندوات الثقافية التي نظمها أو دعمها، حيث جمع بين مفكرين عرب وأتراك وكرد لمناقشة تاريخ الشعوب، الهويات الثقافية، وآليات بناء مجتمعات عادلة. كما دعم نشر الثقافة الكردية وتعليم اللغة الكردية، مؤكدًا أن الإعلام والفن أدوات قوية لنشر الوعي السياسي والاجتماعي.
ودور المرأة في صفوف الحزب كان محورياً. شمل ذلك:
الوحدات العسكرية النسائية، لتدريب النساء على المشاركة الفعلية في الدفاع عن المجتمع.
الوحدات المدنية والتنظيمية، التي شغلت النساء فيها مناصب قيادية وإدارية.
الأنشطة الثقافية والتعليمية لتعزيز معرفة النساء بتاريخهن وثقافتهن، وتمكينهن من المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية.
قبل تأسيس الحزب، كانت المرأة في المجتمع الكردي تواجه واقعًا صعبًا: محدودية التعليم، غياب المشاركة السياسية، والزواج المبكر. القائد عبد الله أوجلان رأى أن تغيير المجتمع يبدأ من تمكين المرأة وإعطائها حقوقها الأساسية.
في كتبه، قدم قراءة تاريخية معمقة لدور المرأة منذ عصور ما قبل الميلاد، مستندًا إلى أبحاث تاريخية وفكرية حول المجتمعات الإنسانية المبكرة، مؤكدًا أن المرأة كانت عنصرًا فاعلًا ومؤثرًا في حياة الجماعة قبل أن تُهمش لاحقًا بفعل التحولات الاقتصادية والسياسية. ومن هنا اعتبر أن استعادة دور المرأة الكامل في المجتمع ليس مجرد تعديل سياسي، بل إعادة ترتيب تاريخي واجتماعي.
=KTML_Bold=أبرز مؤلفاته في هذا المجال:=KTML_End=
تحرير الحياة: ثورة المرأة (2013)، الذي ركز على تحرير المرأة كأداة أساسية لتحرير المجتمع بأسره.
بيان الحضارة الديمقراطية (2015–2017)، الذي أكد على العدالة والمساواة بين الجنسين كأساس لبناء مجتمع ديمقراطي حديث.
الكفاح المسلح والتحولات الفكرية والدعوات للسلام
مع مطلع الثمانينيات، دخل الحزب مرحلة تاريخية حاسمة، اتسمت بالانتقال من التنظيم السري إلى الكفاح المسلح المنظم، ففي 15 آب 1984، أطلق الحزب أول طلقة في الكفاح المسلح، معلنًا عن بداية مواجهة مباشرة تهدف إلى حماية الهوية الكردية ورفع الظلم عن الشعب الكردي.
قاد القائد عبد الله أوجلان الحركة بأسلوب حازم ومنظم، مؤسسًا بنية تنظيمية متكاملة شملت الوحدات العسكرية والمدنية والثقافية والتعليمية والإعلامية، مع التركيز على إشراك المرأة كشريكٍ أساسي في كل المجالات.
على الرغم من الانشغال بالكفاح العسكري، بدأ منذ أواخر الثمانينيات مراجعة شاملة لتطوير رؤيته السياسية والاجتماعية، ما أرسى فلسفة الكونفدرالية الديمقراطية التي ركزت على:
اللامركزية السياسية والمجالس الشعبية.
المساواة بين الجنسين.
الانسجام مع البيئة والتنمية المستدامة.
حقوق الإنسان والحريات الأساسية كأساس لأي مشروع سياسي مستدام.
وفي عام 2013، أطلقت أول دعوات علنية للسلام، مؤكّدًا أن نهاية العنف والاعتماد على الحلول السياسية هو الطريق الأمثل لمستقبل أفضل. وفي 2025، أصدر رسالة تاريخية دعا فيها إلى التحول الكامل نحو العمل السياسي السلمي، وبناء مؤسسات مدنية وديمقراطية.
جمع المفكر عبد الله أوجلان بين القيادة الميدانية الحكيمة والرؤية الفكرية العميقة، فكان رمزًا للنضال من أجل الحرية والعدالة والمساواة. فقد أسس حركة سياسية واجتماعية شاملة، تهتم بالمجتمع، بالثقافة، بالمرأة، والتعليم، والإعلام، وترسخ الهوية الكردية والمبادئ الديمقراطية في شمال كردستان وروج آفا.
أفكاره لم تؤثر فقط على المجتمع الكردي، بل امتدت لتصبح جزءًا من الحوار الإقليمي والدولي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، عبر:
تمكين المرأة سياسيًا واجتماعيًا.
تطوير الأنشطة الثقافية والتعليمية والفنية.
نشر فلسفة الكونفدرالية الديمقراطية كنموذجٍ بديل لإدارة المجتمعات قائم على العدالة، المساواة، والمشاركة الشعبية.
إن رحلة المفكر عبد الله أوجلان من طالبٍ ثائر إلى قائد وفيلسوف معاصر تمثل نموذجًا فريدًا للتكامل بين النضال والعمل السياسي والفكر الاجتماعي والفلسفي، مع التأكيد على الحرية، العدالة، والمساواة كأسس لأي مجتمع مستدام. [1]