=KTML_Bold=قراءة في رسالة المفكر #عبد الله أوجلان# لكونفرانس إسطنبول=KTML_End=
محمد أرسلان علي
رسالة المفكر عبد الله أوجلان إلى “كونفرانس السلام والمجتمع الديمقراطي الدولي” المنعقد في إسطنبول، كانت مليئة بالمصطلحات التي ينبغي إعادة دراستها والبحث فيها من جديد وبنظرة متقدمة أكثر مما كانت تُقرأ سابقاً. إذ، دراسة المادية التاريخية على ضوء المادية الديالكتيكية وفق القرن الحادي والعشرين، على ما اعتقد ستنير طريقنا أكثر. الكثير من الدراسات والمجلدات كتبت حول الماركسية وتم النظر إليها وكأنها قرآن مُنزّل لا يمكن المساس بها، كما الأديان، واللتان في النهاية تحولتا إلى أدوات يحفر الإنسان بهما قبره لا غير.
الرسالة تضمنت دعوة للمثقفين أن يُعيدوا تموضعهم وفق التعريفات الجديدة والخروج من مستنقع الجمود الفكري، لإعادة تقييم تلك المرحلة والبدء ببناء المرحلة الجديدة وفق رؤية الكثير من الفلاسفة الذين يمكن مقارنة رؤيتهم مع أفكار المفكر أوجلان، ومن خلال رسالته المقدمة لكونفرانس السلام والمجتمع الديمقراطي، سأحاول بعض الشيء في مقارنة أفكار المفكر أوجلان التي طرحها في هذه الرسالة مع رؤى فلاسفة قد طرحوا نفس الأفكار مسبقاً مثل “راسل وحنة آرنت وغرامشي”.
إن قراءة المفكر أوجلان في ضوء الفلسفة الغربية النقدية تكشف عن تجاوزه للطرح الماركسي الأرثوذكسي نحو “اشتراكية ديمقراطية” أكثر إنسانية وتركيباً. حيث تُعد حنة آرنت من أبرز من انتقدوا “الدولة القومية” واعتبرتها آلية تولد العنف والشمولية. ويمكن عدّها نقطة التلاقي (الحق في السياسة لا الدولة): تتفق آرنت مع المفكر أوجلان في أن الدولة الحديثة تبتلع “المجال العام”. آرنت ترى أن الحرية تتحقق في “الفعل” داخل المجالس وليس في البيروقراطية الحزبية، هذا يطابق تماماً طرح المفكر أوجلان حول “الكونفدرالية الديمقراطية” و”الكومونات” كبديل عن الدولة.
وفي جزئية نهاية الدولة القومية، كلاهما يرى أن ربط الحقوق بالجنسية (الدولة القومية) كارثة؛ فآرنت رأت كيف أدى ذلك للاجئين وعديمي الجنسية، والمفكر أوجلان يرى كيف أدى ذلك لإبادة الثقافات (كالكرد). الحل عندهما هو فصل “الأمة” (كهوية ثقافية) عن “الدولة” (كأداة قمع).
بينما يتقاطع المفكر أوجلان مع غرامشي في نقد “الحتمية الاقتصادية” للماركسية التقليدية، كالمجتمع المدني كساحة نضال، فقد طرح غرامشي مفهوم “حرب المواقع” التي تجري في المجتمع المدني (الثقافة، التعليم، المؤسسات) قبل الوصول للسلطة. المفكر أوجلان يذهب أبعد من ذلك: هو لا يريد “الاستيلاء” على الدولة بعد حرب المواقع، بل يريد “تجاوز” الدولة عبر بناء مجتمع مدني قوي (أخلاقي وسياسي) يُفرغ الدولة من وظيفتها القمعية تدريجياً.
المثقف العضوي والوعي التاريخي ودورهم المجتمعي لا يمكن القفز عليه، حيث يركز المفكر أوجلان على إعادة قراءة التاريخ (من سومر إلى الآن) ونقد “الاشتراكية المشيدة”. هذا يتناغم مع دعوة غرامشي لضرورة وجود مثقفين عضويين يعيدون صياغة الوعي الجمعي (الهيمنة المضادة) لمواجهة سردية الطبقة الحاكمة. ويتفق كلاهما على أن الماركسية ليست “عقيدة جامدة” بل منهج للتحليل يجب أن يتطور. المفكر أوجلان يقول “يجب تجديد الديالكتيك”، وغرامشي كان يرى الماركسية “فلسفة الممارسة” التي يجب ألا تسقط في الجمود الميكانيكي لمواجهة هيمنة الحداثة الرأسمالية.
راسل، الفيلسوف الاشتراكي والسلمي، يلتقي مع المفكر أوجلان في البعد الأخلاقي، حيث في موضوع نقد العنف الثوري أشار أوجلان بوضوح إلى أن “الاشتراكية الهادفة ينبغي ألا تبنى على مفهوم الثورة العنيفة”. هذا ينسجم مع فلسفة راسل الذي حذّر من أن الوسائل العنيفة تفسد الغايات النبيلة (كما حدث في التجربة السوفييتية). وعبارة المفكر أوجلان “الإصرار على الاشتراكية هو الإصرار على الإنسانية” تُعيد للاشتراكية جوهرها الأخلاقي الذي دافع عنه راسل، بعيداً عن الجمود العقائدي الستاليني، حيث كان راسل ناقداً شرساً للبلشفية الروسية بسبب قمعها للحريات الفردية ومركزيتها المفرطة. المفكر أوجلان يشاركه هذا النقد بقوله: “اشتراكية الدولة القومية تقود الإنسان إلى الفشل”. كلاهما يبحث عن اشتراكية “تحررية” وكما عُرف راسل بنضاله السلمي ومناهضته للحروب الإمبريالية. نجد صدى صوته في دعوة المفكر أوجلان إلى “الحوار الديمقراطي” ورفض العنف كوسيلة وحيدة.
كيف يمكن لهذه الرؤية أن تطفئ حرائق الشرق الأوسط؟ الحل يكمن في فك الارتباط بين “الحق في تقرير المصير” و”تأسيس دولة مستقلة”. وذلك يتم من خلال تفكيك “ألغام” الدولة القومية. حيث المنطقة تعاني لأن كل شعب (كردي، عربي، تركي، فارسي) يريد دولته خاصة، والأرض لا تتسع لدول أحادية القومية دون تطهير عرقي. طرح المفكر أوجلان ل “الأمة الديمقراطية” يسمح للكردي أن يعيش كرديته، والعربي عروبته، ضمن نظام واحد لا مركزي، هذا يُلغي الحاجة لرسم حدود جديدة (وهو جوهر الصراعات).
ومن خلال الترياق الذي يطرحه المفكر أوجلان والذي هو الاندماج الديمقراطي القانوني، يمكن حلّ الكثير من معضلات المنطقة ومشاكلها، حيث يشير المفكر أوجلان إلى “عقد مجتمعي ديمقراطي” بين الدولة والمجتمع. هذا يقدم مخرجاً للأزمة في سوريا والعراق وتركيا، حيث لا داعي لإسقاط الدول كلياً (مما يخلق فوضى)، ولا للرضوخ لاستبدادها. الحل في “دستور ديمقراطي” يعترف بالتعددية (المواطنة الحرة) ويحول الدولة إلى هيكل إداري (دولة معيارية) بينما تدار الشؤون المجتمعية عبر الإدارات الذاتية، ويمكن ذلك من خلال إحياء التاريخ المشترك ل (ميزوبوتاميا). بالعودة إلى الجذور (سومر، بابل، العشائر الطبيعية)، يذكّر المفكر أوجلان شعوب المنطقة بأن “الدولة القومية” منتج دخيل عمره قرون فقط، بينما تعايشهم في “كومونات” عمره آلاف السنين. هذا الخطاب يؤسس لهوية جامعة فوق-قومية.
من خلال المجتمع الديمقراطي الذي ينشده المفكر أوجلان يمكن السير به لإخراج شعوب المنطقة من حالة التيه التي تعيشه وكذلك إيقاف دوامة العنف التي تضرب المنطقة من دون رحمة. هدف بناء المجتمع الديمقراطي بكل تأكيد يلزمه أدوات فكرية قوية، يكون بمقدورها مجابهة مصطلحات ومفاهيم الرأسمالية الممتد لأكثر من قرنين من الزمن، والمعتمدة على منطق بناء الدولة القومية الضيقة. وبكل تأكيد لا يمكن مجابهة القوة الوحشية للرأسمالية بأدوات القرن العشرين ومصطلحاتها. فالرأسمالية هشة من دون قوتها المفرطة في القتل، وهي فكرياً تعيش التفاهة والفوضى بكل معنى الكلمة، ولا يمكن هزيمتها إلا من خلال بناء فكري وقوة مصطلحات أقوى مما تملكها الرأسمالية. وبنفس السلاح يمكن أبناء المجتمع الذي نرومه، ألا وهو “الديمقراطية”. فالمجتمع الديمقراطي هو بديل المجتمع التفاهة الاستهلاكي الذي يلتف حول أعناقنا. ولربما تكون رسالة المفكر أوجلان هي الشمعة التي تنير درب المناضلين في طريق الحرية في ظلام العنف ودخان الفوضى الذي يضرب المنطقة. فما دعوة المفكر أوجلان إلا من أجل الخروج من دوامة الحروب للوصول الى بناء الدول المستقلة، والتي هي بحد ِ ذاتها، كانت أداة للقوى الرأسمالية للسيطرة على الشعوب. نداء المفكر عبد الله أوجلان لعدم تقسيم الدول الهشة هي للحفاظ على ما تبقى من حالة مجتمعية تعيش في الوقت الضائع من عمر المجتمعات الحية. دعوة الشعوب للعيش المشترك ونبذ العنف، لا تأتي إلا ممن يمتلكون قوة الفكرة والتي من خلالها يجتازون مستنقع الدولة القومية والمبني بالدماء. الكرد والأمازيغ والفلسطينيين، بمقدورهم تبنّي فلسفة المجتمع الديمقراطي لبناء حياة تقرّ بأن قوتها نابعة من الاختلافات والذي هو غنى في نفس الوقت. [1]