=KTML_Bold=الأمة الديمقراطية من مشروع كردي مُتخيَّل إلى أفقٍ إنساني للشرق الأوسط 2=KTML_End=
د. طه علي أحمد
إذا كان الجزء الأول قد تناول الأسس الفكرية للأمة الديمقراطية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الجزء لا يتعلق بماهية هذا المشروع بقدر ما يتعلق بمصيره في المجال العام: من يتبنّاه؟ من يناقشه؟ ولماذا ما زال محصورًا، في نظر كثيرين، ضمن إطار كردي ضيّق، رغم أن منطلقاته تمسّ البنية العميقة للأزمة التي تعيشها مجتمعات الشرق الأوسط برمّتها؟
إن اختزال الأمة الديمقراطية في بُعدها الكردي لا يعبّر فقط عن قراءة ناقصة للمشروع، بل يكشف عن ميلٍ راسخٍ إلى تجزئة الأزمات، وكأن معاناة شعوب المنطقة يمكن فصلها إلى ملفات قومية مستقلة. والحال أن ما أوصل الشرق الأوسط إلى هذا المستوى من الانسداد ليس قضية بعينها، بل نموذجٍ سياسي فكري واحد، فُرض على الجميع، وقام على المركزية الصارمة، وتوحيد الهوية، وإقصاء المجتمع من الفعل السياسي.
من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع الأمة الديمقراطية كصيغة بديلة لمسألة قومية محددة، بل كأداة نقدية شاملة تفكّك منطق الدولة القومية في المنطقة، وتكشف علاقته العضوية بالاستبداد المزمن، والانقسامات الداخلية، والحروب المتكررة. وإذا كانت نتائج هذا النموذج قد أصابت الجميع دون استثناء، فإن البحث عن بدائل له لا يمكن أن يبقى حكرًا على شعب واحد، مهما كان موقعه في قلب الصراع.
فالعربي الذي يعيش في ظل دولة لا تتيح له سوى دور المتلقي ليس أقل معنيًا بهذا الطرح من الكردي الذي حُرم طويلًا من الاعتراف السياسي والثقافي. والسرياني أو الآشوري الذي يواجه خطر التلاشي الثقافي، لا يقف على هامش هذا النقاش، بل في صميمه. أما المرأة، التي غالبًا ما تُستبعد من معادلات السلطة والتحوّل، فإن الأمة الديمقراطية تقدّم لها موقعًا تأسيسيًا لا يمكن لأي مشروع ديمقراطي حقيقي أن يتجاهله.
غير أن الإشكالية لا تتوقف عند حدود سوء الفهم، بل تمتد إلى مستوى أعمق، يتمثل في التردّد عن تحمّل المسؤولية، فكثير من النخب الفكرية والسياسية في المنطقة تفضّل التعامل مع هذا المشروع من مسافة آمنة، بوصفه “تجربة للآخرين”، لا كموضوع يستدعي الانخراط النقدي الجاد. وغالبًا ما يكون هذا الموقف نابعًا من الخوف من كسر المسلّمات الراسخة، أو من الاصطدام بمنظومة الدولة القومية التي ما تزال تهيمن على الفضاء السياسي والخطاب العام.
إن الانفتاح على فكرة الأمة الديمقراطية لا يعني الاصطفاف الأيديولوجي، ولا تبنّي نموذج جاهز، بل يبدأ بالاعتراف بأن البنية السياسية القائمة استنفدت قدرتها على إنتاج الاستقرار أو العدالة؛ فالأفكار التي تنبع من حاجة تاريخية، لا تبقى ملكًا لمن صاغها، بل تصبح مسؤولية جماعية لكل من يلمس ضرورتها.
ولعل الخطر الأكبر الذي يواجه هذا المشروع هو إبقاؤه محصورًا ضمن دائرة إثنية أو سياسية محددة، فالمشروع الذي لا يتبنّاه إلا أصحابه المباشرين، يُعاد إنتاجه في الوعي العام بوصفه مشروعًا فئويًا، مهما كانت مضامينه إنسانية. أما حين يخرج إلى فضاء أوسع، وتشارك في نقاشه قوى متعددة الخلفيات والانتماءات، فإنه يكتسب شرعية أوسع، ويتحوّل من “طرح خاص” إلى أفق مشترك.
في جوهرها، لا تدعو الأمة الديمقراطية إلى محو الهويات أو تذويب الانتماءات، بل إلى إعادة تنظيم العلاقة بينها على أسس طوعية وتكاملية. فهي تقترح تجاوز منطق الغلبة العددية، وتفكيك ثنائية الأكثرية والأقلية، لصالح شراكة مجتمعية تقوم على الاعتراف المتبادل. وهذا المسار لا يمكن أن يتبلور أو يتطوّر دون مساهمة فعلية من مختلف مكوّنات الشرق الأوسط.
من هنا، تبرز مسؤولية الإعلام في تفكيك الصور النمطية، ودور المثقفين في فتح نقاشات عميقة حول البدائل الممكنة، وأهمية القوى المدنية التي تبحث عن فضاء للعمل خارج احتكار الدولة، لكنها مسؤولية تتجاوز الأطر النخبوية لتشمل كل من يرى أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على الخوف المتبادل، ولا على إنكار الآخر.
الغاية إذن أن الأمة الديمقراطية ليست وصفة جاهزة بانتظار التطبيق، بل مسارًا مفتوحًا للتفكير والممارسة والتطوير. وهي ليست عبئًا إضافيًا على الكرد، ولا امتيازًا سياسيًا لهم، بل فرصة تاريخية أمام شعوب الشرق الأوسط جميعًا لإعادة صياغة علاقتها بالسلطة، وبالمجتمع، وبذاتها. [1]