=KTML_Bold=الأمة الديمقراطية من مشروع كردي مُتخيَّل إلى أفق إنساني للشرق الأوسط 1=KTML_End=
د. طه علي أحمد
لم يعد خافيًا على أحد أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي حاسم؛ فالمنطقة التي كانت، عبر قرون طويلة، فضاءً للتفاعل الحضاري والتعدد الثقافي والديني، تحوّلت خلال القرن الأخير إلى ساحة صراعات مفتوحة، وانقسامات حادة، وحروب لا تنتهي. ويعود جزء كبير من هذا المأزق إلى النموذج السياسي الذي فُرض على المنطقة مع نشوء الدول الحديثة بعد انهيار الإمبراطوريات، أي نموذج الدولة القومية المركزية، الذي قُدِّم بوصفه الطريق الوحيد للحداثة والتنظيم السياسي.
غير أن هذا النموذج، بدل أن يحقق الاستقرار أو العدالة أو الاندماج الوطني، أثبت فشله البنيوي، لاسيما وأنه قام على إنكار التعدد، وفرض هوية واحدة بوصفها هوية الدولة، وقمع كل ما عداها من لغات وثقافات وانتماءات. وبدل أن يكون إطارًا جامعًا، تحوّل إلى أداة هيمنة، أنتج أنظمة استبدادية، ورسّخ منطق الأمن والعسكرة، وأدخل المجتمعات في دوامةٍ من العنف المتبادل والتفكك الاجتماعي. في هذا السياق المأزوم، يبرز طرح الأمة الديمقراطية الذي يقدّمه المفكر عبد الله أوجلان بوصفه أحد أكثر المشاريع الفكرية جرأة وعُمقًا، لأنه لا يكتفي بانتقاد الواقع، بل يقترح أفقًا بديلًا.
غالبًا ما يُساء فهم هذا الطرح من خلال اختزاله في الإطار الكردي، وكأنه مجرد مشروع سياسي لقضية قومية بعينها، أو محاولة للالتفاف على مطلب الدولة القومية الكردية. غير أن هذا الفهم لا يعكس جوهر الفكرة، بقدر ما يعكس الذهنية التي أنتجتها الدولة القومية ذاتها، حين جعلت من القومية مرادفًا للسياسة، ومن الدولة الشكل الوحيد الممكن للتنظيم، فالأمة الديمقراطية، في أصلها النظري، ليست “أمة” بالمعنى القومي المغلق، ولا “دولة” بالمعنى السيادي المركزي، بل هي نموذج تنظيمي مجتمعي مفتوح، يقوم على التعدد، واللامركزية، والاعتراف المتبادل بين الشعوب المختلفة.
ينطلق المفكر #عبد الله أوجلان# في طرحه من نقد جذري للدولة القومية، لا بوصفها مجرد جهاز إداري أو نظام حكم، بل بوصفها منظومة فكرية وأيديولوجية أعادت تشكيل الإنسان والمجتمع وفق منطق الاختزال؛ إذ جرى اختزال الفرد في هوية واحدة، غالبًا ما تكون قومية أو مذهبية، وقُمعت بقية أبعاده الاجتماعية والثقافية والإنسانية. وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث التداخل بين القوميات والأديان والثقافات هو القاعدة لا الاستثناء، تحوّل هذا الاختزال إلى وصفة دائمة للصراع. من هنا، تأتي الأمة الديمقراطية كمحاولة لاستعادة هذا التعدد التاريخي، لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل باعتباره شرطًا لبناء مستقبل قابل للحياة.
ما يُميّز هذا المشروع أنه لا يجعل من السلطة غاية بحد ذاتها، بل يعيد الاعتبار إلى المجتمع بوصفه القيمة المركزية. فالديمقراطية، وفق هذا التصور، لا تُختزل في صناديق الاقتراع، ولا في تداول نخب داخل بنية دولة مركزية ثابتة، بل تُبنى من الأسفل إلى الأعلى؛ تبدأ من الكومينات، والمجالس المحلية، والهيئات المجتمعية التي تمكّن الناس من إدارة شؤونهم اليومية بشكل مباشر. وبهذا المعنى، تصبح السياسة ممارسة حياتية يومية، مرتبطة بالخبز، والعمل، والتعليم، والبيئة، والعلاقات الاجتماعية، لا شأنًا تقنيًا تحتكره النخب أو الأجهزة.
ويحتل تحرير المرأة موقعًا محوريًا في مشروع الأمة الديمقراطية، ليس بوصفه ملفًا جانبيًا أو مطلبًا حقوقيًا معزولًا، بل بوصفه شرطًا بنيويًا لتحرر المجتمع ككل؛ إذ يرى المفكر عبد الله أوجلان أن أول أشكال الهيمنة في التاريخ كان هيمنة الرجل على المرأة، وأن هذه الذهنية الذكورية هي التي أعادت إنتاج السلطة، والعنف، والحرب عبر العصور. لذلك، فإن أي مشروع يدّعي الديمقراطية أو العدالة، من دون أن يضع قضية المرأة في قلبه، إنما يعيد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة. وفي الشرق الأوسط، حيث تتقاطع البنى الأبوية مع الاستبداد السياسي والديني، يكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك موقف الأمة الديمقراطية من القضايا الدينية والثقافية؛ فهي لا تعادي الدين، كما تفعل بعض النماذج العلمانية الصلبة، ولا توظّفه كأداة للسيطرة السياسية، كما تفعل الأنظمة والتيارات الأصولية، بل تفتح المجال أمام تعايش حر ومتساوٍ بين المعتقدات والهويات، وفي منطقة شهدت حروبًا طائفية، وإقصاءً ممنهجًا لهويات دينية وثقافية غير سائدة، يقدّم هذا الطرح إمكانية حقيقية لإعادة بناء العلاقة بين الإيمان والحرية، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو الإلغاء.
من هنا، يصبح من الخطأ النظر إلى الأمة الديمقراطية كمشروعٍ “خاص” بالكرد، فالعربي الذي يعيش تحت أنظمة استبدادية، والسرياني الذي يخشى ذوبان لغته وثقافته، والأمازيغي الذي يناضل من أجل الاعتراف بهويته، والعلوي أو الإيزيدي أو المسيحي الذي عانى التهميش أو الاضطهاد، جميعهم معنيون بهذا الطرح بالقدر ذاته؛ بل يمكن القول إن كل إنسان في الشرق الأوسط هو معني به، لأنه يقدّم محاولة عملية للإجابة عن سؤال بات وجوديًا: كيف يمكن لمجتمعات متعددة، جُرّدت من حقها في الاختلاف، أن تعيش معًا دون أن يُلغي أحدها الآخر؟
إن الترويج لفكرة الأمة الديمقراطية لا يعني فرض نموذج جاهز أو استنساخ تجربة بعينها، ولا ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يعني فتح فضاء جدي للنقاش حول بدائل حقيقية للواقع القائم، بعد أن أثبتت التجربة التاريخية أن الرهان على الدولة القومية المركزية لم ينتج سوى مزيد من الانفجار والعنف، أما البحث عن نماذج نابعة من خصوصيات المنطقة، ومن تاريخها الاجتماعي والثقافي، فهو السبيل الوحيد للخروج من الحلقة المفرغة.
في هذا الإطار، تبدو الأمة الديمقراطية أقلّ من كونها “مشروعًا سياسيًا” بالمعنى التقليدي، وأكثر من كونها رؤية شاملة لإعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان، والمجتمع، والسلطة. غير أن أي فكرة، مهما بلغت قوتها النظرية، تبقى ناقصة ما لم تُختبر في الواقع، وتُقاس بتجاربها العملية، وتُناقَش في ضوء التحديات التي واجهتها وتواجهها. من هنا، يُفتح هذا الطرح الباب أمام سؤال أساسي: كيف تحوّلت الأمة الديمقراطية من نظرية نقدية إلى تجربةٍ ملموسة؟ وما الذي حققته، وما الذي تعثّر، وما الدروس التي يمكن استخلاصها لبقية مجتمعات الشرق الأوسط؟ هذا ما سنحاول مقاربته في الجزء الثاني من هذا المقال. [1]