رائد العصر.. القيادي رستم همدم
قاوم مقاتل الكريلا الشجاع رستم همدم في مواجهة هجمات واعتداءات العدو في السجن بجرأة وروح فدائية عظيمتين وأصبح صوت الحرية، مجسّداً خط مظلوم وكمال في شخصه.
وُلد مقاتل الكريلا رستم همدم (سدات أوزن) لعائلة وطنية في قرية خارسه في منطقة تيلى في موش، ومثل كل طفل كردي يدرك في طفولته حقيقة العدو والنظام الفاشي للسلطة الحاكمة، وكلما كان يواجه الحقائق الاجتماعية، كلما كان يعيش التناقضات ويتطور بحثه وسعيه إلى حياة حرة، فخلال سنوات دراسته الجامعية، يتعرّف على حزب العمال الكردستاني من خلال بعض رفاقه، حيث يشكّل هذا التعرف بداية جديدة في حياته، ويترك واقع القائد آبو وحركة التحرر انطباعاً عميقاً في شخصيته، وخلال هذه المرحلة، كشاب كردي، بدأ يشارك بفعالية في الأنشطة التنظيمية.
وفي كانون الأول 2007، يتعرض للاعتقال خلال نشاط تم تنظيمه في إطار حملة يكفي ويُسجن على إثر ذلك، وفي عام 2010، أثناء وجوده في السجن، يقرر الانضمام إلى وينضم إلى النضال بهذا الهدف، حيث إن الوصول إلى الجبال والانضمام إلى صفوف الكريلا بات هو حلمه الأكبر، إخلاصه لوطنه ورغبته في الحرية تزداد قوة كل يوم، على الرغم من الظروف الصعبة في السجن والضغوطات التي تؤثر على نفسية الإنسان، إلا أن الشخصيات المثابرة التي تعرف حقيقة العدو، تقاوم كل هجمات العدو وتتخذ من المقاومة كأساس لها دون أن يخضع وينحني للعدو ودون أن يكون عبداً لديه، وبدوره يقاوم مقاتل الكريلا رستم همدم بجرأة وروح فدائية عظيمتين في مواجهة هجمات واعتداءات العدو في السجن ويصبح صوت الحرية، ويجسّد خط مظلوم وكمال في شخصيته، ويمضي 9 سنوات من عمره في السجن دون أن ينحني للعدو، وفي عام 2018، عندما يُطلق سراح مقاتل الكريلا رستم همدم من السجن، يتجه إلى حياة الكريلا ويصل إلى جبال كردستان، ويبدأ حياته القتالية والكريلاتية في ساحة ”كارى“ ويكتسب الخبرات هناك، وبعد عملية تدريب مكثفة، يتلقى فيها تدريباً على الأسلحة النصف آلية ويخوض الممارسة العملية على أرض الواقع، ومرة أخرى وبناءً على طلب الحزب، يلتحق بأكاديمية الشهيد حقي قرار، ثم ينتقل إلى مناطق الدفاع المشروع، وهناك، يتولى الريادة كقائد ميداني ويؤدي دورا نشطاً في الحياة والعمليات العسكرية، وفي 20 أيار 2024، يشتبك مقاتل الكريلا رستم برفقة رفيقي دربه يكبون وشورش مع العدو في ساحة متينا، وعلى إثر ذلك يرتقي كلا البطلين إلى مرتبة الشهادة.
وأسس مقاتل الكريلا رستم، خلال سنوات نشاطه ضمن صفوف الكريلا بجهده ونضاله قيماً عديدة تستحق أن تُروى، ومن القيم المقدسة التي تركها خلفه، هو ذكرياته ولحظاته في حياة الكريلاتية، حيث ترك إرثاً خالداً لا يمكن نسيانه أبداً في صفحات مذكراته، وسيظل حياً دائماً في الذاكرة، وسيُعاش ويعيش من خلال قصصه.
الانتشار المحكم
كان الصيف يقترب من نهايته، كان ذلك في أيام عيد الانبعاث، فعلى مر السنين، تحول 15 آب 1984، ذكرى القفزة التي بدأت في عام 1984 فيما بعد إلى ثورة الشعوب، كان مستقبل ذكرى جديدة لهذا العيد المقدس، حيث أراد العدو اقتلاعنا من جذورنا في أيام كهذه، ودفن روح قفزة 15 آب، إلا روح مقاومة قفزة 15 آب وعيد الانبعاث كان لها تأثير كبير على شعبنا، ومرة أخرى، انبعثت روح البسالة والمقاومة من جديد في كردستان، وفي يومنا الحالي أيضاً، تعيش روح الانتصار هذه في قمة ذروتها، ويظهر المئات والآلاف من درويش وعدولة ولاءهم للخط، وهذا يؤكد ما دامت هذه الروح موجودة في كردستان فمن المستحيل تدميرها، حينها، يجب أن يعلم العدو أن تدميرنا لا يمكن أن يبقى بالنسبة لهم سوى حلم، فنحن موجودون بالأمس، ونحن موجودون اليوم وسنكون موجودين على الدوام، وكمقاتلين للكريلا، تُنفذ العمليات بروح عكيد في كل عام تخليداً واستذكاراً لهذا العيد، وهذا يزيدنا حماساً وتصميماً على النصر.
كوحدة متنقلة، طُلب منا الذهاب إلى الميدان من أجل التصدي لهجمات العدو ومنعها، وقمنا كوحدة بإعداد أنفسنا دائماً من حيث تطوير التكتيكات وأساليب العمليات بما يتماشى مع هذا الطلب، وبعد الموافقة على طلبنا، كان هناك نشاط استثنائي في المعسكر في الساعات الأولى من الصباح، وانتشرنا في الميدان على شكل فرق متتالية الواحدة تلو الأخرى.
لم تكن لدي خبرة كبيرة مقارنة الرفاق الآخرين، كان جميع الرفاق المشاركين في فريقنا من الرفاق القدامى وذوي الخبرة، كانوا يعرفون جيداً كيف يمكن لحركتنا أن تتّخذ التدابير اللازمة لمواجهة هجمات العدو وتقنياته المتطورة، وكانوا يتخذون التدابير اللازمة وفقاً لذلك، كنت أحاول أنا أيضاً أن أتعلّم وأطوّر نفسي في أسلوب تحرك الكريلا، وكان خروجي إلى أرض الميدان ذا قيمة كبيرة بالنسبة لي.
الآن تبددت حرارة ارض الميدان، وبدأت برودة ونسمات المساء بالانتشار، حيث لم تكن وجهتنا بعيدة، لكن الرفيقة ديرن وحدها التي كانت من بيننا تعرف الطريق، كان جانبي الطريق شديدَي الانحدار ومُحاطاً بسلسلة من الجبال والتلال، كانت هناك منظراً طبيعياً خلاباً يحيط بنا ويحتضننا.
كانت مرشدة طريقنا الرفيق ديرن تسير بسرعة كبيرة ولم نستطع مجاراته، ولم يكن بمقدورنا مجاراته إلا بالنداء عليها في كل مرة، وأحياناً كنت أنا أو الرفيق ديرسم نسقط على الأرض كل عدة دقائق، وبما أنني كنت في السجن منذ فترة طويلة، لم تكن لدي خبرة كبيرة في الجبال، كان هذا بطبيعة الحال يسبب لي صعوبات، عرضت عليَّ الرفيقات مراراً وتكراراً أن يحملنَّ سلاحي، لكن النفوذ الإقطاعي المترسخ في ذاتي منعني من ذلك وقلت: لا، يجب أن أحمله بنفسي.
وصلنا إلى وجهتنا في وقت متأخر من الليل، وقد تركت ذلك التعب من الطريق أثراً كبيراً في نفسي، كانت المرة الأولى التي أواجه فيها مثل هذه المسيرة، بغض النظر عن مدى صعوبة الأمر، لم أستسلم وواصلت المسير، لا شك أن هذه التجربة تكسب الإنسان الكثير من الأشياء، وإلى جانب ذلك، كان حماس الرفاق والرفيقات وإصرارهم يمنحني القوة ويمنع كل الصعوبات، وأصبحت هذه الذكرى إحدى ذكريات بداية حياتي العملية، وأعتقد أن هذه القصص ستُنقل وتُروى لمستقبل حر، كيف كنتُ اليوم، وكيف سأكون في المستقبل.
الأنشطة قبل تنفيذ العملية
دائماً ما يتم تنفيذ العملية أولاً ثم يتم تدوين الملاحظات أو مشاركة النتائج، لكني أود أن أعكس هذه القاعدة المتبعة وأدون عما مررنا به قبل العملية، كان ذلك في الأيام الأخيرة من شهر آب، حيث تحركنا على شكل مجموعة من الرفاق، بعد حوالي ساعتين من الميسر وصلنا إلى موقع العملية، كنا قد اجتزنا بعض الوديان والتلل، كنا متجهين نحو موقع تمركز العدو بحماس وفرح حتى لا يؤثر علينا تعب المسير كثيراً، كانت الشمس تغرب تدريجياً وبدأ الظلام يسدل ستاره على الأرض، توقفنا في مكان آمن، لكنه لم يكن مناسباً للمبيت فيه، وبسبب خطر الانجراف في الوادي، بقينا نصف مستيقظين حتى ساعات الصباح، فقد كانت هذه المسيرة أكثر من مجرد مسير عادي، لم يؤثر فينا الألم في ظهورنا وأقدامنا كثيراً، فقد كان كل تركيزنا منصباً على تنفيذ العملية واستكشاف الساحة.
وفي اليوم التالي، عندما بدأ شعاع الشمس الشروق ويسطع نورها رويداً رويداً وينتشر في الأرجاء، نهضنا وتوجهنا نحو نقطة الاستطلاع، كنا نتبادل الآراء والاقتراحات فيما بيننا، خاصة حول كيفية تنفيذ الاستطلاع بكفاءة أكبر، كان الأمر كما تقول لو أنه بمنظار، كان منظاراً، وميكروفوناً، كان الواحد منا يمده للآخر، طرح كلٌّ منا أفكاراً وآراءً واقتراحاتٍ مختلفة، مما جعل النقاش حيويًا وغنياً، كنا أربعة رفاق، رفيقين ورفيقتين.
وبعد الاستطلاع، عدنا إلى مكان أكثر أماناً، حيث كان على وجه الخصوص أفضل وأكثر ملاءمة للمبيت من المكان الآخر، بناءً على ذلك، تمركزنا في مواقعنا وركزنا على نتائج الاستطلاع وتحركات العدو، وهناك أيضاً، طوّر كل رفيق ورفيقة آراء واقتراحاتٍ حول أسلوب تحرك العدوّ وأسلوب توجيه الضربات النوعية، وفي ذلك الوقت، استطعتُ تطوير مشاركاه بشكلٍ أفضل بفضل القوة التي لديّ، وفي تلك اللحظات، تتجلى قوة تفكيرك بشكلٍ أكبر، وتلاحظ وتشعر في كل تفاصيل الحياة، دون أن يفوتك شيء، وأنا أيضاً كنتُ كذلك، فمن ناحية، كنتُ منخرطاً في اكتشاف العدو، ومن ناحية أخرى، كنتُ أفكر في كيفية المشاركة في حال تطورت العملية، في الواقع، كانت هناك عشرات الأسئلة من هذا النزع تدور وتجول في رأسي، لكن الأمر الجيد هو أنه لم يكن هناك أدنى تردد في قلبي، كنتُ أثق بنفسي وبالرفاق والرفيقات الذين معي، وكنت أعلم أنهم سيكملونني.
عندما تحيط هذه الحقائق الرفاقية والحياة بالإنسان في تلك اللحظات، تجعله يدرك معنى وجوده بشكل أفضل، لأنك لست وحدك هناك، فهناك أيضاً الرفاق والرفيقات والأبطال الشجعان من الأجيال القادمة معك، فإذا أردت أن تقودوهم، يجب أن تعيش دون قلق أو تردد، يجب أن تؤمن بنفسك ورفاقك ورفيقاتك والنصر، ترك هذا الوعي انطباعاً قوياً في نفسي وجعلني أقول سنكمل مهمة الاستطلاع هذه بنجاح.
على الرغم من أن هدفنا الأساسي كان هنا هو الاستطلاع، إلا أنني كنت أشعر وكأنني في عملية وأنا أخوض القتال، تعاملتُ مع الأمر بهذه الجدية، وعلى أي حال، يجري تناول الأمر على هذا النحو لدى الكريلا، حيث يتم تحقيق النجاح في الأنشطة قبل تنفيذ العملية، عندما تنجح في العملية، حينها، يمكنك ضرب العدو بشكل أقوى، وبالطبع، لا يقتصر العمل الاستطلاعي على ذلك، فتحركات الكريلا بأكملها تسير وفق هدف معين، وإلا لا يمكن للمرء أن يسميهم الكريلا، فعندما تذكر الكريلا، يتبادر إلى الذهن الإنسان التمويه والاختفاء والشجاعة والعديد من السمات الأخرى، لذلك، يجب عليك تنظيم نفسك والتصرف وفقاً لذلك في جميع الظروف.
وكنتيجة، منحتني هذه المهمة العديد من التجارب والذكريات في تلك اللحظات، ومما لا شك فيه أن كل استطلاع ناجح هو أساس تحقيق كل عملية ناجحة، وهنا يمكنني القول بكل ثقة أن مهمة الاستطلاع التي قمنا بها كانت ناجحة ومثمرة.
[1]