أردوغان وبراغماتية الإسلام السياسي
عزيز سليمان_
أحياناً نستعين بذاكرة الماضي لنستطيع فهم ما يجري في العالم وكيف كانت المنطقة في حروب عبثية منذ الحرب العالمية الأولى، والتي دمرت الكثير وأزهقت أرواح عديدة، تلتها الحرب العالمية الثانية وأيضاً المسار نفسه من التدمير الشامل والقتل.
الحروب لا تنتهي طالما هناك مصالح اقتصادية للدول الكبرى التي تسعى للهيمنة والاستعمار، وتركيا تحاول أن تحتل المنطقة من جديد بإحياء الميثاق الملي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، قال بوش الأب فيما مضى “لقد انتهت حقبة الشيوعية وإن العدو القادم هو الإسلام المتطرف” وذلك من خلال إدخال الدين في كثير من الصراعات في العالم عن طريق تأجيج الدين وإدخاله في السياسة كما فعل أردوغان “الرجل البرغماتي” الذي كان له دور كبير في إشعال الشرق الأوسط.
البرغماتية الحقيقة ليست ثابتة أو مطلقة بل هي متغيرة وتتطور مع تجاربنا وتفاعلنا مع العالم، البرغماتية نسبية أيضاً على القيم والأخلاق لصالح الفائدة والمصالح، وهذا ما يفعله أردوغان لا عداوات ولا صداقات، دائماً هي لعبة المصالح والمشغلين، أولى أردوغان الأهمية لمشروع الشرق الأوسط الجديد، واستطاع أن يكون أحد عرّابيه كون إسرائيل غير محببة من قبل الدول العربية والإسلامية، فأوكلت المهمة لأردوغان، عندما استلم سدة حكم تركيا في عام 2002 وقال وقتها: “إن آمد سوف تكون نجمة مشروع الشرق الأوسط الجديد للديمقراطية سوبر ستار” وسرعان ما انخرط في العمل مع الجماعات الإسلامية في المنطقة وشمال إفريقيا، وبدأت شعبيته تتزايد وكانت “مسرحية مؤتمر دافوس الاقتصادي” هي نقطة تحول لسياسات حزب العدالة والتنمية في المنطقة، عندما وقف في وجه شيمون بيريز في المناظرة المشهورة، ليظهر كرجل قوي وغيور على المسلمين، ويدافع عن قضايا المنطقة، وضد احتلال إسرائيل لفلسطين، وهمجية هذا العدوان وإلخ…
بعدها بدأت البروبوغندا التركية بالعمل بضخ الأفلام السينمائية والمسلسلات التركية، حيث أصبحت هذه الأفلام تُعرض في جميع دول الشرق الأوسط، وكان لها تأثير كبير وخاصةً في الدول الإسلامية.
الربيع العربي أو ربيع الشعوب
سرعان ما بدأ الناس يذوقون طعم الحرية، للخروج إلى الشارع والوقوف في وجه الطغاة والأنظمة الديكتاتورية، في المنطقة، وكان مشهداً لم تعتَد عليه هذه الشعوب التي عاشت في القهر والحرمان والعبودية، استغل أردوغان المشهد في تونس ومصر وبدأ يدعم الإخوان المسلمين في العالم، بدءاً من البشير في السودان والإخوان في سوريا وليس انتهاءً بالفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي، وفتحت تركيا حدودها للإخوان من كلِّ حدبٍ وصوب، كذلك سخرت العديد من القنوات الإعلامية وافتتحت العديد من مكاتب الأحزاب الإسلامية للتحريض على الأنظمة القائمة، وسرعان ما تطور الأمر واستغلت تركيا الظرف الدولي لتكون أراضيها ممراً للإرهاب العالمي، وبدعم من بعض دول الخليج والاستخبارات التركية أدخلت داعش والقاعدة إلى سوريا، ودعمت هؤلاء المرتزقة واحتلت أجزاءً من سوريا، وبدأت تُعادي السوريين في المناطق المتاخمة لحدودها، و”الكرد” بشكلٍ خاص في المنطقة، وتعادي مشروع الإدارة الذاتية، ومزقت النسيج الاجتماعي في سوريا من طرف، وأيضاً كانت حكومة دمشق أيضاً طرفاً في معادلة القتل والتشريد، وبعد أكثر من ثلاثة عشر عام من ثورة التغيير، والتي علّق السوريين آمالهم عليها، اليوم نعود إلى نقطة الصفر!
الحديث بات اليوم عن الانسحاب التركي من المنطقة وكأن شي لم يحدث، ويصرخ أردوغان بأن لدينا علاقات عائلية مع الأسد، وكأن ذاكرة السوريين قد خانتهم في 2011، ماذا قال أردوغان لبشار الأسد وماذا قال عنه؟ تستطيع أن تدمر سوريا بالدبابات والطيران، وبعدها بعام يقول أردوغان بأن “بشار الأسد أصبح رجل ميت في السياسة وسوف ندعم الثورة السوريّة الي الآخر” وبعدها بعام قال “سوف يسقط بشار الأسد قريباً، ليعود للقول مع ظهور داعش “إننا نعمل على إنهاء حكم الأسد” بعدها بسنة يقول “لن يكون هناك للأسد مستقبل في سوريا” وفي 2016 بعد أن قتل حوالي 500شخص في مجزرة الكيمياوي قال أردوغان “يجب أن يُحاكم الأسد” وبعدها بسنة نعته أردوغان “بالإرهابي الدي قتل مليون شخص” بعدها قال “نحن لا نتعامل مع القتلة ويجب أن يتنحى بشار الأسد” وفي عام 2020 قال أردوغان “طالما نحن في السلطة لن نبعث اللاجئين إلى أحضان القتلة” وبعدها بعام يقول “لولا روسيا لما وقف النظام في دمشق على قدميه”.
بدأ التغير في سياسة أردوغان تجاه الأسد في عام 2023 وبدء الإطراء والتودد السياسي رغم تلميح أردوغان بأنه لا يوجد أي سبب لإعادة العلاقات بينهما
لماذا يُصرُّ أردوغان على مقابلة الأسد؟
الاقتصاد التركي في مرحلة حرِجة ونتيجة السياسات الاقتصادية الغير تقليدية، أصبح هناك تضخم هائل، حيث بلغ 86% في تشرين الأول 2022وهو أعلى مستوى منذ 24 عاماً، فيما شهدت قطاعات النقل والغذاء والإسكان أكبر ارتفاع في الأسعار، أما أسباب التضخم بلا شك فهي نتيجة العوامل الاقتصادية البارزة ومنها جائحة كورونا وتأثيراتها على قطاع السياحة، بكل مكوناتها النشطة في تركيا، وكذلك تأثير الاستثمار في قطاع العقارات، كل هذه العوامل السياسية والاقتصادية وتمويل عمليات الاحتلال والتدخل العسكري في بلدان عدة، أوجدت حالة عدم الاستقرار والانخفاض المستمر لقيمة الليرة التركية، وتوقع البنك المركزي التركي أن يبلغ التضخم 5/43٪ في نهاية 2024تموز 5 /25٪ في نهاية 2025وكان قد ارتفع 2/38٪في حزيران 2023، ليبلغ ذروته 45/75٪في أيار، وفي تقارير لصحيفة زمان التركية حيث ارتفع الدين الخارجي للقطاع الخاص في تركيا ليبلغ 16306مليار دولار ووفق بيانات البنك المركزي التركي بشأن تطورات الدين.
وإذا ما عدنا سبب هذه الديون، وهي نتيجة الصناعات الدفاعية الضخمة وصناعة الطائرات والصواريخ والمسيرات والتدخل التركي في شؤون الإقليمية والدولية وتسليح المجموعات المرتزقة جعل الاقتصاد التركي في مأزق، ولهذا يلهث أردوغان للقاء الأسد، والتطبيع مع دول الخليج، لأنه يرى بأن هذه هي ولايته الأخيرة ويريد أن يورث هذا النهج لحزبه من البوابة الاقتصادية والتصالح مع الجميع بعد ما أنجز دماراً في المنطقة. لم ولن تهم أردوغان مصلحة الشعب السوري، ومن الجلي إنه يريد أن تبقى صورته معلقة في جميع المؤسسات في تركيا وإزاحة صورة أتاتورك، وربما ينجح من الناحية الاقتصادية، أما مسألة التطبيع مع حكومة دمشق فالواضح إنه سوف يكون لها نتائج سلبية على الشعب السوري، لاسيما ضد مناطق إقليم شمال وشرق سوريا والإدارة الذاتية، ولا شك أنه قام ويقوم بعقد اجتماعات ووضع اتفاقات ضمنية لضرب هذا المشروع الوطني. واليوم كلمة الفصل للسوريين دون غيرهم الذين ناضلوا من أجل حرية وكرامة الإنسان، والسبيل الوحيد هو جلوس السوريين على طاولة واحدة، أن يحاوروا بعضهم البعض بعيداً عن الحساسيات المذهبية والطائفية وهذا هو الخيار الأصح للخروج من الأزمة.[1]