=KTML_Bold=حركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطية.. النبض الثقافي لثورة روج آفا=KTML_End=
محمد فاروق
لم تشهد أرض روج آفا المباركة مقاومة سياسية وعسكرية فقط، ففي الوقت نفسه، انفتح الناس فكرياً أيضاً، ووصلت الثورة إلى وجدانهم وقلوبهم ولغتهم، ولأنّ الثورة عملٌ روحي قبل أي شيء آخر؛ فهي تنبعث من القلوب، ويُعبَّر عنها بالأغنيات، وتتجسّد في الصور واللوحات، وتُخلّد بالأشعار، ويدلّ واقع ما شهدته روج آفا، على أنّ الثورة ليست مجرد تغيير سياسي أو تغيير للسلطة، بل هي أيضاً إعادة بناء ثقافي أيضاً، ونبض إعادة التنظيم الثقافي في روج آفا هو حركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطية.
تنبض حركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطية التي تُعدّ حركةً ثقافيةً تشمل جميع فروع الفن، في كنف الثورة، فتحت قيادتها وإشرافها، وعبّرت المسارح عن آلام الشعب وآماله، وترددت أصداء قصص القرى والنساء والأطفال على شاشات السينما، وأعاد الأطفال والنساء إحياء فن الغناء الملحمي العريق في ذاكرة الشعب، وأحيت فرق الفلكلور رقصات ودبكات ميزوبوتاميا التي تعود إلى آلاف السنوات، وخلال الورشات والندوات الأدبية، دُوّنت أسماء الشهداء في القصائد، وتحوّل نضال المرأة لملحمة عظيمة، وتدير حركة ميزوبوتاميا في روج آفا أوركسترا عظيمة تنظّم مختلف أنواع هذا الفن وتحوّل المقاومة إلى جمال وتحوّل الجمال لبناء اجتماعي.
ويبرز داخل هذه الأوركسترا، صوت خاص هو (Hunergeha Welat) وهو الوريد الأكثر تفرداً بالفن ضمن جسد حركة ميزوبوتاميا في روج آفا، وتخلق هذه المؤسسة بأعمالها الموسيقية وكليباتها لحن الثورة، إنّها تحول ذكريات الشهداء إلى ألحان، ومطالب الشعب إلى إيقاعات، وانتفاضة المرأة إلى أغنيات، والأعمال التي تنتجها ليست أعمالاً فنية فحسب، بل هي أيضاً مدرسة لتعليم الناس، فجميع إبداعاتها تحوّل معاناة الشعب وآلامه إلى مقاومة وأمله إلى حرية، وتتبلور خصوصية (Hunergeha Welat) أكثر ضمن الوحدة العظيمة لحركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطية ككل، فهي تتدفق مثل النهر وتتّحد مع المسرح والسينما والشعر والفلكلور؛ وبهذه الطريقة، تخلق العالم الثقافي الموحد لروج آفا.
وكما يقول أنطونيو غرامشي: “كل ثورة هي قبل كل شيء ثورة ثقافية، ولن تدوم الثورات ما لم تكن فكرية أولاً” وثورة روج آفا تجسّد هذه الحقيقة في وجودها، فإن لم تُتوّج الثورة بالأغنيات والقصائد والمسرحيات، فستكون قصيرة العمر ولن تدوم، وأقوال القائد عبد الله أوجلان تكمل هذه الحقيقة: “لا تتحقق حرية أي أمة إلا ببناء كيانها الثقافي، فالثقافة هي وعي ومستقبل المجتمع”.
ولهذا لا تُعدّ الثقافة في روج آفا، مجرد زينة، بل الأساس الوجودي للثورة.
لقد أثبت التاريخ أنّه عندما يغيب البعد الثقافي للثورات، فإنّها إمّا تُقمع أو تُشوّه على يد قوى مختلفة، والثورة الفرنسية، التي لم تكمل العالم الجمالي بروح الشعب، والقمع السوفييتي للفن هما أبرز مثالين على ذلك، ولكن روج آفا لا تكرر هذا الخطأ، إذ تنتج حركة ميزوبوتاميا أعمالاً فنية في مختلف المجالات، معيدةً بذلك بناء ذاكرة الشعب ووعيه ومرسخةً لتكوين المجتمع.
كان قول والتر بنيامين: “ليست هناك وثيقة للحضارة دون أن تكون في الوقت نفسه وثيقة للبربرية” ينطبق على النظام الرأسمالي، فالنظام الرأسمالي الحديث جعل الفن سلعةً تُباع وتُشترى، لكن الفن الذي تنظّمه حركة ميزوبوتاميا في روج آفا ليست شاهداً على البربرية بل على الحرية، هذا الفن ليس سلعة للبيع، بل ملكاً للشعب، إنّه ليس ملكاً للنظام الرأسمالي، بل هو صوت السعي وراء الحرية، فالمسرحية هنا ليست للبيع على شباك التذاكر، بل لمخاطبة قلوب الناس في ساحات القرى، والأغنية لا تؤدّى لمجرد الاستماع، بل لإحياء الذاكرة الجماعية والمشتركة للشعب.
لقد تحققت مقولة تشي جيفارا: “الثورة قصيدة، شاعرها الشعب” في روج آفا، لأّنها تُسطّر بقلم الشعب، بأصوات المغنيات، ولوحات الأطفال وألحان الشباب، والمسرحيات التي تحمل أسماء الشهداء… وحركة ميزوبوتاميا هي القلم الذي تُكتب به هذه القصيدة، كما يتردد صدى مقولة إرنست بلوخ: “الفن هو تخيل ما لم يتحقق بعد” في روج آفا، إذ يتخيّل فنانو حركة ميزوبوتاميا المستقبل الحر، ويجسّدون في أغنياتهم يوم السلام، وفي لوحاتهم آراء المرأة الحرة، وفي مسرحياتهم أخوّة الشعوب.
لقد أصبحت مقولة فرانز فانون: “النضال بلا ثقافة كشجرة بلا جذور” حقيقةً حيّةً في ثورة روج آفا، لأنّ حركة ميزوبوتاميا ربطت جذور هذا النضال بالتاريخ والقصص والأغنيات والحكايات والأغنيات الملحمية للشعب، هذه الجذور لا تربط الثورة بالحاضر فحسب، بل بالمستقبل أيضاً، ولن تتعرف الأجيال القادمة على الثورة من خلال الكتب وحدها، بل من خلال اللوحات والأغنيات والأفلام أيضاً.
وكما يقول القائد #عبد الله أوجلان# : “الفن هو نفَس الحياة الحرّة”، ولا حياة دون نَفس، وحركة ميزوبوتاميا هي نَفَس ثورة روج آفا، إنّها تجدّد روحها، كتدفقٍ في شريان ثقافيٍّ يحيي المستقبل، وضمن هذا الكيان يُعدّ (Hunergeha Welat) الصوت الأبرز الذي يُحيي لحن الثورة.
إنّ كل ثورة ملزمة بإبداعات شعرية وجمالية وبأن يكون لها وعيها وذاكرتها الخاصة، وثورة روج آفا تفي بهذا الالتزام بفضل حركة ميزوبوتاميا، وكل عمل يُنتج هنا ليس عملاً فنياً فحسب، بل هو أيضاً وثيقةٌ للمقاومة، ونداءً للحرية، وحركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطية هي القلب الثقافي للثورة، و(Hunergeha Welat) هو نبضه الأصيل. لذا، فإنّ نجاح ثورة روج آفا لا يقتصر على الجبهات؛ بل يتحقق في الأغنيات والأفلام والقصائد والمسرحيات، وهذا النجاح لا يُنسى أبداً، لأنّه سُطّر بقلم الشعب. [1]