كاوا أمين
لفترة من الزمن، شغل صفحات المجلات والصحف، وذلك لأنه، كما كان يقول، شنّ حرباً على الفساد. ورغم أنه لم يكن المنتصر في تلك الحرب، إلا أنه دق ناقوس الخطر. وكما يقول، فقد أبلغ قادة هذا اقليم كوردستان قائلاً: أسمع لحناً كريهاً، لحناً أكثر فتكاً من كل المخاطر الأخرى على بلدنا، وإذا لم تتم معالجته من جذوره، فسيتعين علينا جميعاً أن ندفع الثمن.
أتحدث عن جلال سام آغا ، الذي شغل منصب مدير ديوان الرقابة المالية لإقليم كوردستان في السليمانية لمدة ثماني سنوات.
منذ فترة طويلة، كنت أرغب شخصياً في إجراء حوار معه، كما اقترح عليّ العديد من الشخصيات أن أسجل معه حلقة من برنامج (بنجمور - البصمة). على الرغم من أنني كنت أعرفه عن قرب وزرته عدة مرات في منزله على تل سرجنار، فإن منزله أشبه بالتكية التي يقصدها مختلف أنواع الشخصيات ويعج بالحركة دائماً. لأن أسلوبه في الحديث ورواية القصص يجذب المرء إليه، ولهذا السبب يزوره الكثير من الناس.
عندما كنت أذهب إليه، كان يروي بعضاً من قصصه الشخصية، ولكن لأنه قد قيل الكثير عن الفساد، كنت أرغب في أن نروي تاريخاً آخر وصفحة أخرى من حياته، خاصة تاريخ السليمانية والعام الذي كان فيه من البيشمركة في ثورة أيلول عام 1974. كانت هذه الأمور مثيرة لاهتمامي. لكنه فجأة كان يعود بحديثه إلى ديوان الرقابة، ويعيد طرح موضوع مستنقع الفساد، ويبدأ بمهاجمة المسؤولين الذين لم يهتموا ولا يهتمون بثروات هذا البلد. يقول: الفساد لا يُعالج بتشكيل اللجان والمشاريع. إذا لم تتوفر الإرادة، ولم يكن الجميع، من القمة إلى القاعدة، سواسية أمام القانون ويتم معاقبتهم، بدون ذلك لا يمكن حله.
لايزال جلال سام آغا يعتبر نفسه يسارياً، فقد كان في فترة من الفترات مقرباً من #الحزب الشيوعي العراقي# . لكنه يقول: كوني يسارياً هذا لم يجعلني عضواً في الحزب الشيوعي العراقي، وكوني من البيشمركة لم يجعلني انتمي الى الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، وصداقتي مع مام جلال لم تدفعني لكي أنتمي الى #الاتحاد الوطني الكوردستاني# . وهو يكرر مراراً وتكراراً مسألة استقلاليته الحزبية في برنامج (بنجمور – البصمة).
يتحدث جلال سام آغا بشوق كبير عن فترة العام الذي قضاه في صفوف البيشمركة في مناطق ناوبردان، كلالة وحاجي عمران، وعن صداقته مع البيشمركة ومسؤولي الثورة. فالسيد جلال كان شخصية مهمة في الثورة، وتحديداً في الأمانة العامة المالية التي كانت بمثابة وزارة قائمة بذاتها، وكانوا يعملون كدولة! ولكي أُضفي على الحوار بعض الإثارة، سألته: هل كان في الثورة فساد أيضاً؟. بعد تفكير قصير، يقول: نعم، كان هناك فساد، لكنه كان قليلاً جداً وكنا نقوم بالمساءلة. كان هناك من يؤيد المساءلة، لكنهم كانوا يقولون: دعونا لا نكن صارمين أكثر من اللازم.
إن ذكرياته مع منزل مهندس اذاعة الثورة (صوت كوردستان العراق) والمثقف عبد الخالق معروف الذي اغتاله نظام صدام، وإذاعة الثورة، وقصة جثمان مام هژار، تصلح جميعهم ليكونوا مادة لملاحم وأفلام تُنتج، ومن خلالها نُعرّف أجيال الحاضر والمستقبل بتاريخ يفيض فخراً واعتزازاً.
على الرغم من أن السيد جلال يعتبر نفسه كوردستانياً، وأن عمه علي سام آغا (الذي كان صديقاً مقرباً لي) من قدامى أعضاء (جمعية احياء وحرية وتوحيد الكورد KAJIK)، إلا أنه يمكن للمرء أن يلمس فيه شعوراً سليمانياً. فعندما يتحدث عن السيد إدريس بارزاني الذي توفى في سنة 1987، يصفه بأنه كان رجل منفتح ومسؤول ومنضبط، لكنه يقول بابتسامة: والله، كان لديه نكهة خاصة بنا، قاصداً بذلك النكهة السليمانية.
أردت أن أستفزه أكثر ليتحدث لي عن زمن الثورة، فقلت له: سيد جلال، هل صحيح ما يقال إن الكتاب والفنانين أصبحوا عبئاً على كاهل البيشمركة وكانوا منشغلين فقط بسرد النكات و منشغلين بحياتهم الخاصة، ولا يذهبون إلى جبهات القتال ويتهربون؟. يجيب السيد جلال: سبعون بالمائة من إجابة سؤالك هي، نعم. يروي قصة حدثت بينه وبين المرحوم#إدريس بارزاني# والكتاب والأدباء الكورد، سنراها في البرنامج. يؤكد السيد جلال مرة واثنتين أن إدريس بارزاني كان شخصية خاصة، لهذا السبب كنت أقول لأصدقائي في ذلك الوقت، في المستقبل سيصبح هذا الرجل كيسنجر الكورد. كان كيسنجر وزير خارجية أميركا في تلك الحقبة، والذي يتمتع بشهرة في تاريخ العالم تفوق شهرة بعض رؤساء أميركا. بعد ابتعاده عن العمل الحكومي، قدّم كيسنجر استشارات لأكبر عدد من الرؤساء والمراكز الأميركية. على الرغم من أن للكورد تجربة مريرة معه، إلا أن كيسنجر شخصية عالمية، وفي التاريخ، ربما فقط تشرشل البريطاني من تم الحديث عن قدراته بهذا القدر.
سيتم توثيق الكثير من المواضيع الخاصة في برنامج (بنجمور - البصمة) مع جلال سام آغا لتدخل صفحات التاريخ. ولا أريد أن أكتفي بمدح السيد جلال، لذلك سألته: سيد جلال، يقول الناس إنك كنت تتحدث نهاراً ضد المسؤولين والفاسدين، وفي الليل كنت تجلس معهم على مائدة واحدة؟.
يقول جلال سام آغا: لم يكن مام جلال رفيقي (حزبياً)، بل كان صديقي. لطالما كانت علاقتي جيدة معه، وكان يناديني (جلالي). ولكني كنت أتحدث معه بصراحة وأذكره بأنني أسمع ناقوس الخطر.
كنت أرغب في فتح صفحة عزوبيته ومعرفة السبب، لكنه لم يرغب في الخوض في تفاصيل الموضوع، لذا قال: دعني وشأني، فهذا جرح، ودعني آخذه معي إلى القبر. يتحدث عن قصة حبه لفتاة عربية، حب ابنة أحد شيوخ العشائر العربية المشهورين. أشعر أنها تركت أثراً عميقاً في روحه، لذلك يحاول غالباً إقناع من أمامه ببيت من الشعر أو مثل عربي.
في حلقة (بنجمور - البصمة) المسجلة مع جلال سام آغا، يتم توثيق العديد من القصص والروايات الخاصة عن فترة البيشمركة، والحكم، والفساد، والصداقة مع القادة الكورد.
ما رويته هنا ليس سوى غيض من فيض من برنامج مدته ست ساعات.[1]