المدينة كمشهد للمقاومة في رواية دنيا شيرزاد لهيفال جلال
في#الأدب الكردي# الحديث، لم تعد المدينة مجرد فضاء عمراني تدور فيه الأحداث، بل تحولت إلى رمز سياسي وميداني للمواجهة. رواية دنيا شيرزاد للكاتب هيفال جلال تُمثّل هذا التحوّل بوضوح، حيث تُقدَّم المدينة كميدان للمقاومة، وتجسيد لحضور الجسد الكردي المقاوم في قلب المساحات المقموعة. عبر بناء سردي نابض بالحياة، يكشف الكاتب كيف يتداخل الجغرافي بالسياسي، والحميمي بالعام، في تشكّل تجربة المدينة الكردية في ظل الحرب والاضطهاد.
تقع أحداث الرواية في مدينة كوباني، التي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى رمز عالمي للمقاومة الكردية في وجه الإرهاب. غير أن الرواية لا تُصوّر المدينة كأيقونة ساكنة، بل كمكان يتنفس الألم والتحدي والخوف والأمل في آنٍ واحد. الشوارع، البيوت، الجدران، وحتى الأنقاض، كلها تتحدث في الرواية. تتكلم المدينة لغة من نوع آخر، تبوح بما لا يُقال، وتنقش ذاكرة من لحم ودم على وجه الأرض.
تلعب البطلة شيرزاد دورًا مزدوجًا: فهي من جهة فردٌ في قلب حربٍ واسعة، ومن جهة أخرى مرآة لهوية المدينة. تعكس الرواية من خلال تحركات البطلة في أزقة المدينة المدمّرة مشاعر المقاومة التي لا تنفصل عن تفاصيل الحياة اليومية: الطهي تحت القصف، تعليم الأطفال رغم انقطاع الكهرباء، دفن الشهداء في الحدائق العامة. هكذا يصبح المكان جزءًا من الجسد الكردي المقاوم، لا منفصلًا عنه.
تُظهر الرواية تفكيكًا واعيًا للثنائية التقليدية بين القرية المقاومة والمدينة المتخاذلة. فهنا المدينة هي جبهة أمامية، لا ملاذًا للهروب، وتتحوّل إلى مكان فاعل في تشكّل الهوية الجماعية. ويركز الكاتب على التفاصيل الصغيرة في توصيف المكان: درج محطم، نافذة مهشمة، بقايا صورة على حائط، لتكوين سردية بصرية تستحضر قوة الذاكرة الجماعية في حفظ تاريخ المقاومة.
الأسلوب السردي المعتمد يتسم بلغة شاعرية واقعية، وبتقنيات بصرية أقرب إلى السينما، ما يجعل القارئ يشعر وكأنه داخل المدينة، يسمع أصواتها، يرى ركامها، ويشم رائحة ترابها. وهذا ما يمنح المكان أبعادًا إنسانية وسياسية وفنية معًا، متجاوزًا الطابع الوصفي العادي.
في الخلاصة، تُبرز رواية دنيا شيرزاد كيف يمكن للمدينة أن تكون بطلة حقيقية للرواية، وأن تُشكّل نواة مقاومة تتجاوز السلاح، نحو الهوية، الكرامة، والاستمرار في الحياة. إنها رواية عن مدينة لا تموت، بل تُعيد اختراع ذاتها في كل صباح.
[1]