الإبادة الجماعية بحق العلويين في سوريا: مسؤولية الجناة ومخاطر الحرب الأهلية
نجاح محمد علي
سياسي مستقل كاتب وباحث متخصص بالشؤون الايرانية والإقليمية والارهاب وحركات التحرر
(Najah Mohammed Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 8278
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
منذ قرار التعيينات العسكرية والأمنية لمقاتلين سوريين وأجانب تلطخت أيديهم بدماء السوريين، والصمت المحلي والدولي عن هذه الجرائم، أصبح واضحًا أن سوريا تسير نحو كارثة إنسانية جديدة تحت مظلة ديكتاتورية سوداء ترتدي ثوبًا أيديولوجيًا متطرفًا. تلك التعيينات، التي قادها أحمد الشرع في إدلب تحت غطاء “حكومة وطنية”، لم تكن سوى خطوة نحو ترسيخ نظام استبدادي جديد، يعيد إنتاج القمع، لكن هذه المرة باسم الدين وليس الدولة.
إدلب كنموذج لسلطة الإرهاب
العمليات “التجميلية” التي أشرف عليها حقان فيدان، رئيس جهاز المخابرات التركي السابق ووزير الخارجية الحالي، هدفت إلى تقديم هيئة تحرير الشام كنموذج ناجح لإدارة إدلب، في محاولة لتلميع صورتها دوليًا. لكن تحقيقات ميدانية مستقلة كشفت أن إدلب اليوم تضم أكبر عدد من السجون والمعتقلين في سوريا، وأن حكومة الجولاني لم تتغير قيد أنملة، لا في مناهجها التعليمية ولا في سياساتها الأمنية أو الاقتصادية، ولم تتخلَّ عن مشروعها الأصلي القائم على حكم تكفيري استبدادي.
في خطاب مُسرّب عام 2014، قال الجولاني بوضوح: “قد آن الأوان لأن نقيم إمارة إسلامية على أرض الشام، نطبّق حدود الله عز وجل بكل ما تقتضيه الكلمة من معنى، دون تهاون أو مواربة.” هذا التصريح يعكس نية واضحة في إقامة حكم قمعي لا يعترف بحقوق المختلفين عنه، دينيًا أو سياسيًا، حتى لو اضطر إلى القضاء على كل من يقف في طريقه، بما في ذلك الفصائل المعارضة له.
إن تواطؤ بعض القوى الإقليمية والدولية مع هذا المشروع، سواء بدعمه علنًا أو السكوت عنه، جعل حزب “فليأت الشيطان” أكبر حزب في سوريا اليوم، حيث أصبح القتل على الهوية مبررًا، والسجون السياسية أمرًا واقعًا، والتنكيل بالمعارضين سياسة رسمية.
التحضير للإبادة الجماعية: بناء جيش طائفي وفرض السيطرة بالقوة
إن بناء “جيش جديد” على أسس طائفية، ومن مقاتلين متورطين بجرائم حرب، ليس مجرد خطوة خاطئة، بل هو تمهيد لحرب أهلية واسعة النطاق. فالتعيينات التي شهدتها إدلب، وانتشار عناصر متشددة في شوارعها، وفرض رقابة دينية مشددة على الحياة اليومية، كلها إشارات واضحة إلى توجه سلطوي لا يختلف في جوهره عن النظام الذي ثار السوريون ضده عام 2011.
منذ اللحظة الأولى، استخدمت هيئة تحرير الشام خطاب الكراهية الطائفية كوسيلة لتثبيت حكمها، فتم اعتقال وتسريح كل من يخالفها، سواء في الإدارة أو في الحياة العامة، وأصبحت إدلب مدينة يحكمها الرعب، حيث يخشى الجميع من أن يكونوا الضحية التالية لمزاج الأمنيين الملثمين في الشوارع.
لكن الكارثة الحقيقية ظهرت بوضوح مع الطريقة التي تعاملت بها الهيئة مع ما سُمي ب”تمرد بعض ضباط النظام السابق”. لم يكن هناك تمرد حقيقي، بل كان الأمر فرصة ذهبية لشن حملة تطهير عرقي ضد العلويين، حيث تمت تعبئة الجمهور ضدهم بشكل فج، وارتكبت مجازر جماعية راح ضحيتها آلاف المدنيين الأبرياء.
جريمة الإبادة الجماعية بحق العلويين
التقارير الحقوقية التي وثّقت المجازر التي وقعت في الساحل السوري تؤكد أن ما حدث ليس مجرد انتهاكات حرب، بل هو إبادة جماعية مكتملة الأركان، وفقًا للمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها، والتي تنص على أن الإبادة تشمل:
1. قتل أعضاء من الجماعة : حيث تم توثيق مقتل 4000 مدنيًا حتى الآن، مع وجود مشاهد مروعة لحرق الجثث وإلقائها في البحر بعد جمعها بالجرافات.
2. إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء الجماعة: تضمنت الاعتداءات أعمال تعذيب ممنهجة وقتل جماعي، فضلاً عن تهجير قسري لأعداد كبيرة.
3. إخضاع الجماعة لظروف معيشية تؤدي إلى تدميرها: حيث تم حصار القرى العلوية وقطع الإمدادات عنها، ما أدى إلى كارثة إنسانية لسكانها.
هذه الأفعال لم تكن مجرد جرائم حرب، بل كانت محاولة منظمة لتصفية طائفة بأكملها، تحت غطاء “التمرد” و”إقامة العدل”، فيما كان الهدف الحقيقي هو التطهير العرقي وإرساء نظام لا يقبل بأي تنوع ديني أو سياسي.
المجتمع الدولي ومسؤولية محاسبة الجناة
إن جرائم الإبادة الجماعية لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن التعامل معها بصمت أو بيانات إدانة فارغة. فغياب المحاسبة يعني إعطاء الضوء الأخضر لجرائم أخرى. واليوم، لم يعد الحديث عن لجان تحقيق شكلية كافيًا، بل يجب التحرك الفوري عبر:
• إصدار قرار واضح من مجلس الأمن يدين الجرائم المرتكبة، ويطالب بوقف الانتهاكات فورًا.
• تحريك دعاوى أمام المحاكم الجنائية الدولية والإقليمية ضد قادة هيئة تحرير الشام وكل من شارك أو تواطأ في هذه الجرائم.
• تجميد أصول وممتلكات المسؤولين عن المجازر، وفرض عقوبات مباشرة عليهم.
• تقديم الدعم القانوني للضحايا وعائلاتهم لملاحقة الجناة أمام كل المحاكم الممكنة، سواء الوطنية أو الدولية.
إن الصمت عن هذه الجرائم يجعل من العالم شريكًا في الجريمة، خاصة أن المجازر تمت على مرأى ومسمع من الجميع، دون أي تدخل جدي لوقفها.
سوريا أمام مفترق طرق: المصالحة الوطنية أو الحرب الأهلية
إذا لم يحدث تغيير جذري في النهج السياسي والعسكري في سوريا، فإن البلاد مقبلة على سيناريو أكثر دموية. المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالشجب والإدانة، بل التحرك العاجل نحو:
• تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية تمثل جميع السوريين، وتعمل على إنهاء سيطرة الميليشيات.
• إعادة بناء الجيش والشرطة على أسس وطنية بعيدًا عن الفصائلية والطائفية.
• إلغاء جميع المراسيم والقرارات الدكتاتورية التي كرّست حكم الأمر الواقع في إدلب.
• عقد مؤتمر وطني شامل يضع خارطة طريق لإنهاء الصراع وبناء دولة عادلة تحمي جميع مواطنيها.
إن التحديات التي تواجه سوريا اليوم خطيرة، لكن الأمل في التغيير لم ينتهِ بعد. لا يمكن السماح بتكرار المآسي، ولا يجب أن يصبح القتل على الهوية مشهدًا عاديًا في الحياة اليومية. العدالة يجب أن تأخذ مجراها، والجناة يجب أن يُحاسبوا، لأن غياب المحاسبة يعني استمرار الجريمة، بل وتكرارها في أماكن أخرى.
المعركة ضد التطرف والاستبداد لم تنتهِ، لكنها بحاجة إلى أصوات قوية تقف ضد الظلم، وإرادة حقيقية لإعادة بناء سوريا على أسس العدالة والمواطنة، لا على الدماء والكراهية.[1]