=KTML_Bold=إيران بين ضغط الخارج وتحولات الداخل: هل يلوح أفق ديمقراطي؟=KTML_End=
#جبار قادر#
الحوار المتمدن-العدد: 8633
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
تطرح التطورات العسكرية المتسارعة التي تتعرض لها إيران سؤالاً مركزياً حول مستقبل نظامها السياسي، وإمكان انفتاح أفق ديمقراطي في حال إضعاف السلطة القائمة أو سقوطها. غير أن مقاربة هذا السؤال تقتضي تجاوز الانفعال السياسي والرهانات الظرفية، والانتقال إلى تحليل بنيوي يأخذ في الاعتبار طبيعة الدولة الإيرانية، وتاريخ تشكلها، وتركيبة مجتمعها، وشكل التغيير المحتمل. فالديمقراطية ليست نتيجة تلقائية لإسقاط نظام، بل ثمرة مسار معقد يتداخل فيه العامل المؤسسي مع الاجتماعي ومع السياق الدولي.
تاريخ الدولة في إيران يمنحها خصوصية في هذا السياق، فقد شهدت البلاد مساراً مبكراً نسبياً من المركزية الصارمة، تعزز بوضوح في عهد رضا شاه بهلوي، حين جرى تفكيك البنى القبلية المسلحة ودمجها قسريا ضمن جهاز دولة حديث. ورغم استمرار التنوع القومي والاجتماعي، لم تتحول القبيلة إلى فاعل سياسي ينافس الدولة على الشرعية أو احتكار القوة. وبعد ثورة 1979 بقيادة الخميني، تأسس نظام ذو طبيعة مزدوجة يجمع بين مؤسسات انتخابية وسلطة دينية عليا، مدعوماً بشبكة عسكرية وأمنية واقتصادية واسعة النفوذ. وبذلك أصبح جوهر الإشكال في إيران مؤسساتياً وأيديولوجياً، يتمحور حول العلاقة بين الشرعية الدينية والإرادة الشعبية، لا حول تفكك الدولة أو صراع هويات ما قبل وطنية.
في ضوء ذلك، فإن التصعيد العسكري الخارجي الذي يرفع شعار “تهيئة الظروف” لانتفاضة داخلية يضع البلاد أمام معادلة دقيقة. فالتجارب المقارنة تُظهر أن الضغط الخارجي قد يضعف السلطة، لكنه لا يضمن انبثاق بديل ديمقراطي من تلقاء ذاته. بل إن التهديد الخارجي قد يدفع قطاعات من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة، حتى وإن كانت معارضة لسياساتها الداخلية. كما أن السخط الشعبي، مهما بلغ مداه بسبب الأزمات الاقتصادية أو القيود السياسية، لا يتحول تلقائياً إلى قدرة تنظيمية قادرة على إدارة انتقال منظم يحفظ تماسك المؤسسات.
إن احتمالية قيام نظام ديمقراطي في إيران ترتبط أولاً ببقاء الدولة ذاتها كإطار جامع. فالديمقراطية تفترض وجود مؤسسات يمكن إصلاحها أو إعادة هيكلتها، لا فراغاً سيادياً يُملأ بقوى متنازعة. وفي الحالة الإيرانية، تبدو مؤسسات الدولة أكثر رسوخاً من أن تنهار بسهولة بفعل استهداف قيادات النظام أو هجمات عسكرية محدودة. غير أن رسوخ الدولة لا يعني سهولة التحول؛ إذ إن ثقل المؤسسة الدينية، ودور الأجهزة العسكرية والأمنية، وتشابك المصالح الاقتصادية المرتبطة بها، تشكل جميعها عناصر مقاومة لأي إعادة توزيع جوهرية للسلطة.
هنا تبرز أهمية طبيعة التغيير ذاته. فالتحول الديمقراطي الأكثر استقراراً يكون عادة نتاج عملية داخلية تدريجية أو تفاوضية، تنخرط فيها قوى من داخل النظام وخارجه، وتعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية دون تحطيم الإطار المؤسسي. أما السيناريو القائم على انهيار مفاجئ للنخبة الحاكمة، من دون توافق مسبق على البديل، فيحمل مخاطر اضطراب طويل، حتى في ظل وجود دولة مركزية قوية. إن الانتقال لا يُقاس بلحظة سقوط السلطة، بل بقدرة الفاعلين السياسيين على الاتفاق حول مصدر شرعية جديد، وضمان حياد مؤسسات القوة، ومنع انزلاق الصراع إلى تصفية حسابات.
وتتطلب أي صيغة ديمقراطية مستقبلية معالجة الإشكال الجوهري في بنية النظام القائم، والمتمثل في التداخل بين السلطة الدينية والمؤسسات الجمهورية. فالسؤال ليس ما إذا كانت إيران قادرة على استيراد نموذج جاهز، بل ما إذا كان المجتمع الإيراني، بقواه المتعددة، يستطيع إنتاج صيغة توازن جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الدين والدولة ضمن إطار وطني متماسك. إن الدعوات إلى علمانية سريعة أو إلى عودة رمزية لمرحلة سابقة لا تكفي لبناء شرعية مستدامة، ما لم تُترجم إلى برنامج مؤسسي واضح يحظى بقبول واسع ويضمن استمرارية الدولة.
في هذا السياق، تبدو المقارنة مع تجارب إقليمية أخرى مفيدة من باب التحذير لا من باب القياس الحرفي. فالتحول الذي يترافق مع تفكيك الدولة يختلف جذرياً عن تحول يجري داخل دولة قائمة. وإذا كانت بعض التجارب قد أظهرت أن إسقاط النظام قد يفتح باب الفوضى بقدر ما يفتح باب الحرية، فإن الحالة الإيرانية تشير إلى أن التحدي لا يكمن في غياب الدولة، بل في إعادة توزيع السلطة داخلها.
بذلك، فإن أفق الديمقراطية في إيران ليس مستحيلاً، لكنه مشروط بجملة عوامل مترابطة: قدرة القوى الداخلية على بلورة مشروع جامع، استعداد جزء من النخبة الحاكمة للانخراط في مسار تفاوضي، بقاء مؤسسات الدولة متماسكة وقابلة للإصلاح، ووجود توافق نسبي حول هوية النظام السياسي المقبل. أما الاكتفاء بالرهان على الضغط العسكري أو الانفجار الشعبي، دون تصور لإدارة المرحلة الانتقالية، فيختزل مسألة معقدة في لحظة صدام عابر.
إن الديمقراطية، في النهاية، لا تولد من فراغ ولا تُفرض بالقوة، بل تنشأ حين يلتقي ضغط التغيير مع بنية دولة قابلة لإعادة التشكل، ومجتمع قادر على تحويل الاحتجاج إلى عقد سياسي جديد. ومن هنا، فإن السؤال حول مستقبل إيران لا يتعلق فقط بزوال النظام القائم، بل بقدرة الدولة والمجتمع معاً على إعادة تعريف الشرعية في إطار يحفظ الاستقرار ويؤسس لمواطنة متساوية ومؤسسات خاضعة للمساءلة. [1]