=KTML_Bold=إمرالي… جزيرة العقاب وصراع الدولة مع حق الأمل=KTML_End=
دجوار أحمد آغا
منذ ما يزيد عن ربع قرن، وجزيرة إمرالي تتربّع على خريطة الجغرافية السياسية في تركيا، ليس بوصفها مجرد منشأة عقابية فحسب، بل كحيزٍ رمزي يُشخصن أزمة أنقرة مع القضية الكردية.
ومع فكرة العدالة الانتقالية وحق السجين السياسي في الأمل والمراجعة، إلى جانب ذلك تتحول قضية السجناء السياسيين الذين أكملوا عقوباتهم في تركيا إلى سؤالٍ أخلاقي وقانوني حول طبيعة الدولة، وحدود القانون، وما إذا كان الأمن يمكن أن يختزل العدالة.
جزيرة بلا شهود سجن خارج الرقابة
منذ نقل القائد والمفكر #عبد الله أوجلان# إلى إمرالي عام 1999، أُغلقت الجزيرة عملياً في وجه المدنيين والصحفيين ومنظمات المراقبة. تحولت إلى فضاء مغلق تديره الدولة وحدها. حتى الطاقم الأمني سريّ، وتنقلات السجناء أو الزيارات تخضع لتوقيت سياسي أكثر منه قانوني. لجان حقوقية دولية أكدت أن ظروف الاحتجاز تتجاوز نموذج السجن المشدد، لتقترب من العزلة التامة مع المحيط الخارجي، وهو ما اعتبرته اللجنة الأوروبية لمناهضة التعذيب CPT شكلاً من أشكال العقوبة الممتدة. في السنوات الأخيرة، بلغت العزلة ذروتها عبر انقطاع تام عن هيئة المحامين والعائلة لفترات طويلة، بحيث لم يصدر أي اتصال أو تصريح من القائد عبد الله أوجلان، ما جعل الجزيرة أقرب إلى “صندوق أسود” للصراع السياسي القائم منذ مائة عام حول القضية الكردية.
الحق في الأمل معركة قانونية وسياسية
بموجب القانون الدولي، فإن حق الأمل يعني أن السجن المؤبد لا يجوز أن يصبح قرار بإعدام الحياة للسجين. على العكس من ذلك، يجب أن تتضمن العقوبة إمكانية مراجعتها، وتقييمها، ومنح السجين فرصة لإثبات تغيّره أو إمكانية إعادة دمجه مع المجتمع. لكن في تركيا، خصوصاً في حالة القائد والمفكر عبد الله أوجلان، هناك نوع من استثناء هذا المبدأ. على الرغم من مصادقة أنقرة على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، فإن الدولة تكرّس نموذج “السجن المؤبد المشدد غير القابل للمراجعة”، أو بكلمة أخرى، السجن المؤبد مدى الحياة.
=KTML_Bold=لماذا الخوف من الأمل؟=KTML_End=
لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، لماذا كل هذا الخوف من خروج القائد عبد الله أوجلان؟ ولهذا السؤال جواب لدى الساسة الأتراك وهي تكمن في عدة أمور منها:
رمزية القائد عبد الله أوجلان لدى شريحة كبيرة من الشعب الكردي.
الخشية من إعادة شرعنة دوره إذا مُنح حق الاتصال أو التقييم.
إمكانية تأثير صوته في المسار السياسي كما حدث خلال مفاوضات 2013-2015.
أظهرت الدولة أنها تستطيع فتح المجال حين تحتاجه وتغلقه حين تنقلب التوازنات.
الاعتراف بحق الأمل يعني ضمنياً الاعتراف بوجود مظلومية سياسية، وهو ما تخشى أنقرة تحويله إلى سابقة أو نموذج.
=KTML_Bold=سجناء محبوسون رغم انتهاء العقوبة=KTML_End=
قضية القائد عبد الله أوجلان ليست وحيدة، فهناك المئات من السجناء السياسيين في تركيا، معظمهم كرد، يساريون، وناشطون، أنهوا الأحكام التي حكموا بها والتي تجاوز بعضها الثلاثين عاماً، لكنهم مازالوا معتقلين في الزنازين. في تركيا هناك نموذج خاص بها، ألا وهو “لجان السجون الأمنية” هذه اللجان تقوم بإعادة تقييم ملف السجين بعد قضاء محكوميته وفق معايير خاصة بالسلطات التركية بعيداً عن القانون والقضاء العادل، معايير سياسية بحتة مثل “الخطر المجتمعي” أو “عدم الندم” والتي تعني رفض السجين السياسي توقيع وثيقة يعبر من خلالها عن ندمه على ما قام به.
العقوبة الخفية
معظم قوانين العالم لا تُضيف عقوبة جديدة بعد انتهاء الحكم، إلا في تركيا وفي حال كان المحكوم كردياً يختلف الوضع. السجين الذي يرفض التخلّي عن هويته السياسية أو الاعتراف بالندم وتغيير الولاء إلى السلطات الرسمية، يُعتبر غير صالح للإفراج عنه، ويتحول القانون إلى أداة لتصفية الذاكرة السياسية. وهنا نرى بأن ما يجري عملياً في السجون والمعتقلات التركية بحق المناضلين السياسيين الكرد، إنما يندرج تحت مسمّى “عقوبة بلا نص” أو كما يطلق عليها النشطاء الكرد بأنها عبارة عن “سجن الرأي الممتد”. وعبر هذه العقوبة الخفية، قضى المئات من المناضلين الكرد مدد تتجاوز العامين وحتى الثلاث أعوام بعد انتهاء مدة حكمهم في السجون والمعتقلات التركية.
مفارقة المصالحة حين احتاجت الدولة صوت القائد عبد الله أوجلان
حينما تتأزم الأمور في الدولة التركية ولا يستطيعون الخروج من الأزمة، يتوجهون إلى إمرالي، مثلاً خلال عملية السلام بين 2013 و2015، شهدت إمرالي تغيراً غير مسبوق شمل السماح بإجراء زيارات سياسية دورية، وفود برلمانية، لقاءات مع مسؤولين أجانب، السماح بإيصال الرسائل إلى الخارج. الدولة كانت تستثمر سيناريو التفاوض مع القائد عبد الله أوجلان بحجة إنهاء الحرب ولكنها في حقيقة الأمر كانت تكسب الوقت من أجل تعزيز نفوذها وسيطرتها وتحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي وهو ما نجح فيه أردوغان فيما بعد. أي أن سياسة الإبادة والتعذيب “العزلة المشدّدة” عبارة عن قرار سياسي وليس واقع قضائي أو قانوني ثابت. حين انهارت المفاوضات أغلقت الدولة نافذة التواصل وحولت التواصل بحد ذاته إلى جرم سياسي.
واليوم تشهد إمرالي المشهد ذاته، بعد إعلان القائد عبد الله أوجلان عن “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي” في 27 شباط 2025، حيث تجري الزيارات إلى إمرالي. لكن؛ الدولة التركية كما العادة تتقاعس عن أداء مهامها في هذه العملية، وكأنها تستغل الوقت مرة أخرى، وهذا ما سيكتشف في الأيام المقبلة.
=KTML_Bold=أزمة العدالة الانتقالية المفقودة=KTML_End=
العديد من دول العالم خرجت من صراعات مسلحة (جنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، كولومبيا)، كانت المصالحة تبدأ من الاعتراف بحق السجناء السياسيين في المراجعة والدمج، وبرؤية العدالة كجسرٍ وليس كسكين. لكن تركيا ما تزال تتعامل مع تاريخ الصراع بوصفه “جريمة بلا سياق”، وترى الإفراج أو حق الحياة بعد السجن تهديداً لروايتها الرسمية. وعلى هذا الأساس، تبقى السجون أدوات سياسية، والبعد الأمني يعطل وظيفة السجن الإصلاحية. القانون الجنائي يفترض أن السجن إصلاحي، يمنح السجين فرصة للمراجعة الإنسانية والاجتماعية. غير أن نموذج إمرالي والسجناء السياسيين يكشف أن الدولة الأمنية تضع الأمن فوق الحق، وتقصي مفهوم الإصلاح. لا توجد برامج دمج، ولا تقييم مستقل، ولا لجنة حقوقية تتخذ القرار.
=KTML_Bold=ينقلب السجن إلى نفي بعيد لا إلى مؤسسة انتقالية=KTML_End=
أسوأ ما في سياسة “الإبادة والتعذيب” ليست الجدران، بل انقطاع الصوت، فالصمت كعقاب سياسي صعب جداً خاصةً في حالة مناضل ثوري قضى معظم عمره في إلقاء المحاضرات والندوات الفكرية والسياسية. صعب جداً أن تعيش بعيداً عن الصحافة ولا أي اتصال مع المجتمع حتى العائلة أصبحت تُستخدم كوسيلة ضغط؛ من خلال هذه الأمور تحول إمرالي إلى مختبر للسياسة الجديدة التي كانت تمارسها تركيا بحق القائد عبد الله أوجلان وهي “الاحتفاء الحاضر”. أي أن السجين موجود جسدياً، لكنه غائب رمزياً، وكأن الدولة تريد محو حضوره من الوعي العام بقدر ما تسجنه.
السجناء الكبار ذاكرة الخوف من الماضي
كثير من السجناء السياسيين الذين يُمنعون من الإفراج بعد إنهاء حكمهم الذي يتجاوز العقود، هم رموز حركات ماضية لا تريد الدولة عودتها اجتماعياً. في تركيا، تُنظر إلى هؤلاء باعتبارهم “ذاكرة خطيرة”، وتُعامَل الذاكرة كخطر، لا كجزء من مجتمع يحتاج مواجهة ماضيه. ومن هنا نتساءل، تُرى هل تنتج هذه السياسة استقراراً داخلياً، أم أنها عبارة عن انفجار مؤجل؟ ثم كيف يمكن تجاهل حق الأمل، هذا التجاهل الذي يفاقم العداء ويسد باب الحوار السياسي. يجب قبل كل شيء إعطاء القائد أوجلان الحرية الجسدية، بالإضافة إلى إطلاق سراح السجناء الذين أنهوا محكومياتهم، وربط الإصلاح السياسي بنموذج العدالة الانتقالية. هذا أقل ما يمكن القيام به من جانب تركيا من أجل بناء الثقة والسماح باستمرار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي.
=KTML_Bold=إمرالي جزيرة تعكس الدولة=KTML_End=
إمرالي ليست مجرد جزيرة في وسط البحر وفيها معتقل وسجن وحيد، بل هي مرآة لسؤال موجّه للدولة التركية: هل تريد معالجة القضايا العالقة عبر الحوار، أم عبر العزل؟ وبخصوص موضوع السجناء السياسيون الذين أنهوا مدة حكمهم ولم ينالوا حريتهم ليسوا فقط أفراداً، بل عرض لمشكلة في مفهوم القانون ذاته: هل القانون أداة لإدارة الخوف أم إطاراً للعدالة؟ ما بين الحق في الأمل وصمت الجدران، تبدو تركيا أمام اختبار سيُحدد مستقبلها السياسي، فهل ستختار أن تستمر دفن الملفات في الجزر والسجون والمعتقلات، أم أنها ستبدأ صياغة عقد اجتماعي جديد يعترف بالماضي ويتيح للمجتمع أن يُشفى؟ سؤال برسم ساسة تركيا. [1]