الوطن كذاكرة وحنين في شعر #جكرخوين#
يتجلى مفهوم الوطن في شعر جكرخوين بوصفه ذاكرةً حية وحنينًا دائمًا لا ينطفئ. فالشاعر الكردي الذي عاش مرارة المنفى والاغتراب لم يفقد ارتباطه بالأرض التي وُلد فيها، بل جعل منها محورًا دائمًا لقصيدته. ومن خلال الحنين، استحضر جكرخوين المكان الضائع ليعيد بناءه بالكلمات، محولًا الشعر إلى جسر يصل بين الماضي والحاضر.
الحنين عند جكرخوين ليس مجرد شعور عاطفي، بل هو فعل مقاومة ضد النسيان. ففي عالم يتآمر على محو الذاكرة الكردية، تصبح القصيدة وسيلة لاستعادة التاريخ والمكان. يقول الشاعر في إحدى قصائده التي كتبها في المنفى:
كلُّ حجرٍ في وطني يعرف اسمي،
وكلُّ نسمةٍ تهمس بلغتي،
فكيف أنسى وأنا منها، وهي مني؟
في هذه الأبيات يعبّر جكرخوين عن تماهٍ تام بين الإنسان والمكان، بين الذات والذاكرة. فالوطن بالنسبة له ليس جغرافيا يمكن نسيانها، بل هو ذاكرة متجذّرة في الوجدان واللغة. وهذا ما يمنح الحنين بعدًا فلسفيًا وشعريًا في آنٍ واحد، إذ يتحول إلى فعل بقاء، يحفظ الكردي من الذوبان في الغربة.
لقد استطاع جكرخوين أن يجعل من الحنين مادة شعرية متكررة، لكنه لا يعبّر عنه بأسلوب بكائي أو استسلامي، بل بروح نضالية. فكل قصيدة تستعيد الوطن بطريقة تُظهر أنه لا يزال حيًا في القلب رغم الفقد. هذا الحنين يولّد طاقة روحية تدفع نحو الأمل، لأن ذكرى الوطن ليست نهاية، بل وعدٌ بالعودة. وهكذا يصبح الحنين عنده نوعًا من الذاكرة المقاومة التي تحافظ على الوجود الكردي.
في قصيدته كردستان، يصف جكرخوين الأرض المفقودة بأنها أمّ اليتامى وصدر الحنين، ما يعكس عمق العلاقة الوجدانية التي تجمعه بها. فالذاكرة هنا ليست مجرد استرجاع لما مضى، بل إعادة خلق له في النص الشعري. فالكلمات تصبح وطنًا بديلًا، والشعر يتحول إلى مساحة يسكنها الشاعر وشعبه في مواجهة الغربة.
إن الحنين في شعر جكرخوين يعكس أيضًا حنينًا إلى الحرية والكرامة، لا إلى الأرض وحدها. فحين يتحدث عن الوطن، يتحدث عن هوية مهددة، وعن حقّ مغتصب، وعن حلم مستمر بالتحرر. لذا فإن شعره، رغم حزنه العميق، مشبع بروح الأمل والمقاومة، لأن الذاكرة التي يكتبها ليست للبكاء على الأطلال، بل لحماية ما تبقّى من الذات الجمعية.
من خلال هذا البعد الوجداني، استطاع جكرخوين أن يجعل من شعره سجلًا للذاكرة الكردية ووسيلة لحفظ الحنين الجمعي. لقد قدّم نموذجًا للشاعر الذي يعيش الوطن في قلبه مهما ابتعد عنه، وجعل من القصيدة بيتًا رمزيًا يحتضن كل ما تبعثر من الأمكنة والذكريات.
المراجع:
1. حسن، أحمد. الحنين والمنفى في الشعر الكردي الحديث. دمشق: دار الحوار، 2016.
2. محمد، آرام. ذاكرة الوطن في شعر جكرخوين. مجلة الآداب الكردية، العدد 15، 2020. [1]