خطاب الكراهية وأزمة المجتمعات: نحو السلام والمجتمع الكومينالي
الدمج في زمن التحولات الكبرى #23-08-2025#
محمد خلف
تُعد الكراهية شعوراً سلبياً مكتسباً تتشكل نتيجة تجارب ضاغطة أو مؤلمة، وهي ليست جزءاً من طبيعة الإنسان الفطرية، ومن تظهر فيه الكراهية ويتركها تتحكم بسلوكه، فذلك تعد حالة غير طبيعية في سياق الطبع البشري تماماً.
كما يعد السرطان حالة غير طبيعية في جسم الإنسان؛ فهو ينمو ويستهلك الصحة والوظائف الطبيعية للجسم، كذلك الكراهية تستهلك العقل والمشاعر الطبيعية للإنسان وتدمر علاقات الانسان بالمجتمع والآخرين، وعندما ينتشر خطاب الكراهية بين أفراد المجتمع يصبح المجتمع نفسه في حالة شبيهة بالسرطان، حيث تتدهور بنيته لحظة بلحظة، وتزداد الانقسامات والخلافات، مما يوجهه نحو الهلاك المحتوم إذا لم يتم علاج هذه الآفة الاجتماعية.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت رسائل الكراهية تنتشر بسرعة غير مسبوقة مما يجعل فهم مفهوم خطاب الكراهية، أسبابه وآثاره ضرورة مُلحَّة، إلى جانب البحث عن سبل الحد منه وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح بين الناس.
خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو وقود يغذي الانقسام بين الناس ويمهد الطريق للصراعات والعنف.
الكراهية لا تنشأ من فراغ، بل كثيراً ما تكون نتيجة خطاب متكرر يزرع الشك والعداء ويحول الاختلاف الطبيعي إلى تهديد وجودي، ومع أن البعض يظن أن تأثير الكلمات يزول سريعاً، إلا أن التجارب العالمية تثبت أنه قد يقود إلى مآسٍ دامية وحروب طويلة الأمد.
المستفيدون من هذا الخطاب متعددون؛ فبعض الساسة يلجؤون إليه لصناعة عدوٍ داخلي أو خارجي يُشغِلَ الناسَ عن قضاياهم الرئيسية، فيستثمرون في الانقسام لكسب النفوذ والشرعية.
الجماعات المتطرفة تستغل الكراهية لتبرير وجودها وتجنيد الشباب، إذ تبني خطابها على فكرة أن المجتمع منقسم بين (مؤمن وكافر، صديق وعدو). أضف إلى ذلك تبنِّي بعض وسائل الإعلام الرسمية خطاب الكراهية والتحريض وصناعة محتوى مزيَّف في أحيانٍ كثيرة لتغذية الانقسام، وهو ما يستفيد منه تجار السلاح أو القوى الخارجية لإدامة الصراع واستنزاف الموارد.
لكن من يدفع الثمن الحقيقي هم الناس أنفسهم، المجتمعات بأكملها تتفكك عندما يزرع الخوف المتبادل بين مكوناتها، الأجيال الجديدة تنشأ على روايات ممزقة تعيد إنتاج الكراهية بدل تجاوزها، أما التنمية والاقتصاد فيتوقفان بسبب الحروب والهجرة وهروب العقول، وحتى من ينجو من العنف المباشر يعيش أسير الخوف والقلق واليأس من المستقبل.
التجارب العربية والشرق أوسطية تعكس هذه الحقائق بوضوح، ففي العراق ساهم خطاب الكراهية الطائفي في إشعال نزاعات مسلحة أودت بحياة مئات الآلاف وعمَّقت الانقسام بين مكونات المجتمع، وفي الوقت نفسه استخدم خطاب كراهية منظم ضد الشعب الكردي لتصويره كخطر على وحدة البلاد ما مهد الطريق لحملة الأنفال والهجوم الكيماوي على حلبجة عام 1988، حيث قُتل الآلاف ودمرت قرى بأكملها، وفي تركيا استمر الخطاب الرسمي والإعلامي لعقود في إنكار الهوية الكردية واعتبار الأكراد أتراك الجبال مما غذى سياسات القمع والتمييز وعمَّق العداء، أما في سوريا فقد جرى تصوير الأكراد كغرباء عن الوطن، وحُرِمَ عشرات
الآلاف منهم من الجنسية مع منع واسع لاستخدام لغتهم وثقافتهم، وفي إيران صُوِّر الأكراد أحياناً كعملاء للخارج، وهو ما رافقه تهميش اقتصادي واعتقالات سياسية متكررة.
الأمثلة لا تتوقف هنا، ففي لبنان وخلال الحرب الأهلية أدى التحريض الطائفي إلى صِدامات دامية استمرت سنوات طويلة وخلفت جروحاً عميقة ما زالت آثارها باقية، وفي سوريا تحولت لغة التحريض إلى سلاح يبرر القتل والتهجير وغذَّت حرباً مدمرة ما زالت مستمرة، وفي فلسطين يتجلى خطاب الكراهية بأوضح صوره في التحريض العنصري ضد الفلسطينيين الذي يُترجَم إلى سياسات عنف وتهجير، وحتى في السودان كان للخطاب القبلي والعرقي دور في إذكاء الصراعات المسلحة التي مزقت البلاد.
أما خارج الشرق الأوسط، فقد أثبتت التجارب في أوروبا وأفريقيا خطورة خطاب الكراهية، ففي رواندا أدى التحريض العرقي والإعلامي ضد التوتسي إلى إبادة جماعية عام 1994، حيث قُتل مئات الآلاف خلال أسابيع قليلة نتيجة خطاب الكراهية المستمر والممنهج. وفي أوروبا، شهدت ألمانيا بعد أزمة اللاجئين زيادة واضحة في خطاب الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين، ما أدى إلى حوادث عنف جماعي وجرائم كراهية تستهدف الأقليات، وهو ما يثبت أن تجاهل التحريض اللفظي يمكن أن يتحول سريعا إلى أعمال عنف ملموسة، ويهدد السلم المجتمعي.
مواجهة خطاب الكراهية في هذه السياقات مسؤولية جماعية لا يمكن إرجاؤها، لا بد من الاستثمار في التربية التي تعزز قيم المواطنة والتنوع بدل الانغلاق، وبناء وعي نقدي يحصن الشباب من الانجرار وراء التحريض.
الإعلام يجب أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية في التوقف عن تضخيم الأصوات المتطرفة.
الحوار بين المكونات المتنوعة يصبح ضرورة وجودية لا خياراً ثانوياً.
المثقفون يتحملون مهمة كسر دوائر الكراهية عبر تقديم خطاب بديل قائم على الاحترام والعيش المشترك.
إن أخطر ما في خطاب الكراهية أنه يبدأ بالكلمة وينتهي بالدماء، والتجارب العالمية، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا وأفريقيا، تثبت أن تجاهله يقود إلى دمار يلتهم الجميع بلا استثناء. الحل يكمن في الفهم العميق لنداء السلام والمجتمع الديمقراطي الذي أسسه القائد عبد الله أوجلان، وأساسه المجتمع الكومينالي، الذي يشبه توافق خلايا جسم الإنسان، حيث تأخذ كل خلية دورها الطبيعي، وفي حال اختلال هذا التوازن يصبح المجتمع وجهاً لوجه أمام طوفان هالك.
هذا النموذج يعزز التعايش، العدالة، والمشاركة الفعالة لكل فرد، ويكسر دوائر الكراهية، ويحول المجتمع إلى شبكة متماسكة تحمي أفراده من الانقسامات والدمار، ويبني أساساً قوياً للسلام والتنمية المستدامة. [1]