الطفولة في القصص الكردية: قراءة تربوية وجمالية
تُشكّل الطفولة في الأدب الكردي مساحة رمزية وجمالية بالغة الأهمية، فهي ليست مجرد مرحلة عمرية تُعرض في النصوص، بل تعبير عن البراءة المهددة والهوية الناشئة في ظل واقع اجتماعي وسياسي مضطرب. إن حضور الطفل في القصة الكردية يُعدّ شاهدًا على المأساة من جهة، ومصدرًا للأمل وإعادة البناء من جهة أخرى.
تتناول القصص الكردية المعاصرة موضوع الطفولة من زاويتين متكاملتين: الأولى زاوية تربوية، حيث يُستثمر السرد في تشكيل وعي الطفل وتعزيز قيم الانتماء والحرية والعدالة. وغالبًا ما يُقدَّم الطفل بوصفه رمزًا للمستقبل، يتعلم من تجارب الكبار لكنه في الوقت ذاته يتجاوزهم في القدرة على الحلم. أما الزاوية الثانية فهي جمالية ورمزية، حيث تتحول الطفولة إلى استعارة للصفاء الداخلي، والقدرة على مقاومة القسوة المحيطة.
في نصوص قصصية مثل أعمال الكاتبة إيفين تيفور وهيوا علي، نلاحظ أن الأطفال يظهرون وسط مشاهد الحرب والنزوح، لكنهم يملكون القدرة على تحويل الخراب إلى مساحة للعب والخيال. الطفل هنا ليس مجرد ضحية، بل فاعل يحمل بذور التغيير. وبهذا المعنى، يصبح تصوير الطفولة جزءًا من مشروع أدبي يسعى للحفاظ على الأمل في مواجهة المآسي.
من الناحية التربوية، تعكس القصص الكردية إدراكًا عميقًا لدور الأدب في بناء شخصية الطفل. فهي لا تكتفي بسرد أحداث بسيطة، بل تدمج رسائل أخلاقية وتعليمية، مثل التمسك بالهوية، حب اللغة الكردية، احترام الطبيعة، والإصرار على الحرية. وبهذا تُقدَّم الطفولة كفضاء للتربية الجمالية، حيث تتداخل المتعة مع المعرفة.
أما على مستوى البنية السردية، فإن اعتماد لغة بسيطة، صور حية، وأسلوب يوازن بين الواقعي والخيالي يجعل من هذه النصوص أداة فعّالة لتشكيل وعي الطفل الكردي. فالقصص التي تستحضر القرية، الطبيعة، أو حتى الأساطير الشعبية تمنح الطفل رابطًا بالذاكرة الجمعية، وتُرسّخ الانتماء الثقافي.
ختامًا، تمثل الطفولة في الأدب الكردي أكثر من مجرد موضوع، إنها مشروع جمالي وتربوي يهدف إلى بناء جيل قادر على تخطي الماضي الأليم. فهي تكشف عن رؤية الأدباء الكرد للطفل بوصفه حاملًا للهوية ومفتاحًا للمستقبل.
المصادر:
بيكهس، شيركو. الأطفال والحرية، السليمانية، 2003.
تيفور، إيفين. قصص للأطفال، أربيل: دار ئاراس، 2019.
علي، هيوا. الطفولة في السرد الكردي، مجلة التربية والأدب، العدد 12، 2021.
[1]