القسم الأول: كوباني قبل العاصفة – الجذور والبنية المجتمعية
قبل أن تصبح كوباني عنوانًا عالميًا للمقاومة والصمود، كانت مدينة صغيرة تقع على الحدود السورية-التركية، تعيش نبضًا هادئًا وتتمسك بخصوصيتها الثقافية الكردية. تُعرف كوباني (عين العرب رسميًا) بأنها مدينة ذات طابع قروي متماسك، تطورت بشكل تدريجي في ظل إقصاء سياسي وتهميش اقتصادي مارسه النظام السوري لعقود، شأنها شأن معظم المدن الكردية في سوريا. ومع ذلك، استطاعت أن تبني لنفسها حياة مجتمعية قوية، تتمحور حول قيم التعاون، والتضامن العائلي، والانتماء العميق للأرض والهوية.
سكان كوباني هم في غالبيتهم من الكرد، يعيشون في شبكة من العلاقات الاجتماعية المتجذرة، يتوزعون على عدد من العشائر والبيوتات المعروفة، ولكنهم يشتركون في شعور قوي بالهوية الجمعية. التعليم في كوباني لم يكن متقدماً بالمقاييس الحكومية، إلا أن الوعي الثقافي الكردي كان في ازدياد، خاصة بعد انطلاق الحراك الشعبي السوري في 2011، حيث بدأت ملامح التنظيم المجتمعي بالظهور، خصوصًا بين الشباب والنساء. هذا الوعي ترافق مع انفتاح سياسي وأيديولوجي سمح ببروز مؤسسات مدنية محلية، مثل المجالس واللجان، التي لعبت لاحقًا دورًا جوهريًا في تنظيم الدفاع الذاتي.
اقتصاديًا، كانت المدينة تعتمد على الزراعة بشكل رئيسي، إلى جانب بعض الحرف البسيطة والتجارة الحدودية مع تركيا، والتي كانت تشكل شريان حياة لأغلب السكان. غياب المصانع والبنية التحتية الحديثة جعل المدينة معتمدة على إمكانياتها الذاتية، لكن هذا الاعتماد المتواضع على الموارد المحلية عزز روح الاكتفاء والاعتماد على النفس.
رغم قسوة الظروف، لم تكن كوباني مدينة خاملة، بل كانت تتقد بحياة بسيطة لكن نابضة. الشوارع المليئة بالأطفال، الأسواق الشعبية، وتقاليد الأعياد والمناسبات الاجتماعية، كانت تشكل مشهدًا يوميًا يعكس تماسك نسيجها الاجتماعي. ورغم أن الدولة كانت حاضرة بشكل متقطع في تقديم الخدمات، فإنها كانت غائبة في تمكين السكان أو تعزيز تنميتهم.
مع تصاعد الثورة السورية وظهور التنظيمات المتطرفة، كانت كوباني تتهيأ، دون أن تدري، لتحوّل وجودها الهامشي إلى مركز للصراع، ثم إلى أيقونة للمقاومة. لقد ساهمت تلك الجذور المجتمعية العميقة في منح المدينة القدرة على المواجهة لاحقًا، فالصمود لا يُخلق من فراغ، بل من تراكم طويل للتجارب والروابط والوعي.[1]