الأرض والهوية: كردستان بين الجغرافيا والرمز
الحديث عن الهوية الكردية لا يكتمل دون الحديث عن الأرض، فكردستان ليست مجرد اسم جغرافي، بل هي عمق رمزي وهوية متجذرة في الوعي الجمعي الكردي. رغم أن كردستان ككيان سياسي لم تتجسد في دولة مستقلة، إلا أن وجودها كفضاء جغرافي وروحي يشكل محورًا أساسيًا في فهم الذات الكردية. هذه الأرض، الممتدة بين تركيا، سوريا، العراق، وإيران، ليست فقط مكانًا للعيش، بل فضاءً للمقاومة والذاكرة والانتماء.
تحتل الجبال موقعًا مركزيًا في وجدان الكرد. فجبال زاغروس وتوروس ليست مجرد تضاريس طبيعية، بل أماكن للجوء والثورة والحلم. لطالما ارتبطت الجبال بالكردي الثائر، كما قال الشاعر الكردي الكبير جكرخوين: لا صديق للكردي سوى الجبل. هذا الارتباط الرمزي يعكس واقعًا تاريخيًا حيث احتمى الكرد بالجبال من بطش الأنظمة ومن حملات الإبادة والتهجير، فتحولت الجبال إلى رمز للمأوى والكرامة.
الحدود السياسية التي فُرضت على كردستان عقب اتفاقية سايكس بيكو (1916) ونتائج الحرب العالمية الأولى، مزقت الجغرافيا الكردية إلى أربعة أجزاء. هذا التمزق السياسي لم يكن مجرد تقسيم إداري، بل أدى إلى تصدع في الهوية الجمعية، حيث وجد الكرد أنفسهم خاضعين لسياسات أربع دول تختلف في لغتها، وديناميكياتها السياسية، ومواقفها من الوجود الكردي. ومع ذلك، بقيت الأرض الكردية موحدة في المخيلة والوعي، تُرسم في الأغاني، وتُكتب في الشعر، وتُحكى في الحكايات.
تلعب الأرض أيضًا دورًا اقتصاديًا وثقافيًا. فالمزارع الكردي يرتبط بأرضه كجزء من وجوده، لا كوسيلة عيش فقط. كما أن الأغاني الشعبية الكردية كثيرًا ما تُغنى للرعاة والجبال والقرى، ما يجعل الأرض عنصرًا حيًا في التعبير الفني والثقافي. إن الطبيعة الكردية، بخضرتها ووعورتها، ليست محايدة في تشكيل الهوية، بل هي مشاركة في صناعة هذه الهوية بكل تفاصيلها.
رغم محاولات التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي، وتدمير القرى الكردية في بعض الأجزاء، بقيت العلاقة بين الكرد وأرضهم علاقة مقاومة. تُظهر الذاكرة الكردية الجمعية أن الأرض لا تُختزل في ملكية أو ورقة قانونية، بل هي امتداد للذات، جزء من الوعي، ومن الحق.
في النهاية، تظل الأرض الكردية مركزًا للهوية، لا بوصف.
[1]