محمد يوسف القاهرة
انتقد مراقبون للشأن السوري بشدة بيان الجولاني رئيس سلطة دمشق بشأن مخرجات كونفرانس وحدة الصف الكردي، بما تتضمن من أكاذيب تعيد سوريا لزمن البعث.
بينما أكدت الوثيقة الصادرة عن كونفرانس وحدة الصف الكردي على التمسك بوحدة التراب السوري، وتدعو إلى إقامة دولة ديمقراطية لا مركزية – ككثير من دول العالم – جاء تعليق الجولاني رئيس سلطة دمشق عليها مخيباً للآمال، وحافلاً بالأكاذيب والمغالطات، وكاشفاً عن تمسكه بخيار الإقصاء، والتعبير عن مصالح من يدعمونه وجماعته فقط لا عن كل السوريين.
وعقد كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي، يوم السبت، في مدينة قامشلو بإقليم شمال وشرق سوريا، بمشاركة أكثر من 400 شخصية كردية من سوريا، وممثلون لكرد تركيا وإقليم كردستان العراق، حيث تبنّى المجتمعون صياغة رؤية سياسية كردية مشتركة، تُعبّر عن إرادة جماعية ومشروع واقعي لحل عادل للقضية الكردية في سوريا، في إطار دولة ديمقراطية لا مركزية، ودعوا إلى اعتمادها كأساس للحوار مع السلطة الجديدة في دمشق.
مزاعم الجولاني
وفيما تواصلت الإشادت بمضمون هذه الوثيقة، التي تتماشى مع روح الدعوات الإقليمية والدولية والمحلية لإطلاق عملية سياسية شاملة في سوريا، تتسع لجميع المكونات، بعد انتهاء حقبة البعث، أصدرت سلطة الجولاني في دمشق، أمس الأحد، بياناً يحذر فيه مما زعم أنه فرض لواقع تقسيمي، موجهاً حديثه إلى قوات سوريا الديمقراطية قسد.
وتحدث الجولاني عن الاتفاق الأخير بين قسد وسلطته وقال إنه شكل خطوة إيجابية نحو التهدئة والانفتاح على حل وطني شامل، إلا أنه زعم أن التحركات والتصريحات الصادرة مؤخراً عن قيادة قسد، التي تدعو إلى الفيدرالية وتكرس واقعاً منفصلا على الأرض، تتعارض بشكل صريح مع مضمون الاتفاق، وتهدد وحدة البلاد وسلامة ترابها.
لم يكتف الجولاني بذلك، ورغم أن تجربة اللامركزية مطبقة في أعتى الجمهوريات وفي أقوى دول العالم، إلا أنه اعتبر الدعوة إليها في سوريا محاولات لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة تحت مسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية، وهو البيان الذي لاقى انتقادات واسعة من مراقبين لكونفرانس قامشلو وما جاء فيه، وكذلك في ضوء المواقف الوطنية للإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية.
يدافع عن صيغة حكم فاشلة
لا يتوفر وصف.
يقول الكاتب الصحفي المصري البارز إلهامي المليجي، في حديث لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إنه حين تصر بعض الأصوات على التشبث بالمركزية المتهالكة، فإنها لا تدافع عن وحدة سوريا، بل عن صيغة أثبتت فشلها وكانت من أبرز أسباب الانهيار الوطني الشامل، مضيفاً أن بيان الجولاني لم يكن دفاعاً عن سوريا الواحدة بقدر ما كان دفاعاً عن مركز احتكر القرار لعقود، وفشل في الحفاظ على وحدة البلاد وشراكة شعبها.
وقدم المليجي قراءة تفصيلية تفند هذه المزاعم، حيث أوضح أن الطريق إلى وحدة سوريا الحقيقية لا يمر بإعادة إنتاج الماضي، بل بإقرار حقوق مكوناتها، وبناء نظام ديمقراطي تعددي يعترف بالإدارات الذاتية كجزء من الدولة الموحدة، موضحاً أن بيان الجولاني لم يكن تعليقاً بريئاً على مخرجات اجتماع قامشلو، بل جاء امتداداً لنهج قديم يرفض الاعتراف بالتعددية، ويصادر حق السوريين، بكل مكوناتهم، في مناقشة مستقبل بلادهم بحرية ومسؤولية.
ذهنية إقصائية
وأضاف أن اجتماع قامشلو لم يطرح مشروع انفصال أو تقسيم، بل أكد — نصاً وروحاً — على وحدة سوريا، وطرح صيغة الإدارات الذاتية كحل ضمن الدولة السورية الواحدة، بهدف تصحيح اختلالات المركزية المفرطة التي كانت أحد أبرز أسباب الانفجار الوطني الكبير، منوهاَ إلى أن محاولة رئيس سلطة دمشق تصوير المطالبة بإدارات ذاتية على أنها تهديد للوحدة الوطنية، تكشف عن ذهنية إقصائية ترفض الإصلاح العميق لصالح الإبقاء على نظام مركزي أثبت فشله وعجزه عن إدارة التنوع السوري.
وقال الكاتب الصحفي المصري إن وحدة الدول الحديثة لا تُبنى بالقسر ولا بالشعارات، بل بالاعتراف بالحقوق، وضمان المشاركة الفعلية، واحترام خصوصيات المكونات الوطنية، وهو ما تسعى إليه مشاريع الإدارة الذاتية كخطوة نحو سوريا ديمقراطية موحدة، أما لغة التخوين والتهويل التي اعتمدها بيان الجولاني، فهي إعادة إنتاج للخطاب الإقصائي الذي فجر البلاد ولم يعد صالحاً لإنقاذها.
وفي ختام تصريحاته، أكد إلهامي المليجي أن الوطنية الحقيقية اليوم لا تكون بالمزايدات الفارغة، بل بالبحث عن حلول عملية تحفظ وحدة التراب السوري، وتعيد الاعتبار لمبدأ أن سوريا لكل أبنائها، لا حكراً على مركز أو مكون أو سلطة واحدة، مشدداً على أن من أراد وحدة سوريا عليه أن يتحدث بلغة الحقوق والكرامة والمواطنة، لا بلغة التخويف والإنكار.
وتؤكد وثيقة الكونفرانس أن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات والأديان، ويجب أن يضمن دستورها حقوق جميع المكونات من عرب وكرد وسريان وآشوريين وغيرهم، كما شددت على اعتماد نظام حكم برلماني لا مركزي يقوم على العدالة والمساواة، وفصل السلطات، واحترام حقوق الإنسان.
عنصرية وعودة لعقلية البعث
لا يتوفر وصف.
بدوره، انتقد الدكتور حكيم عبدالكريم السياسي الكردي العراقي بشدة بيان الجولاني، وقال في اتصال لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إنه تعبير عن الضغوطات من قبل بعض الجهات المتطرفة والقومية العنصرية الموجودة داخل الهيكل الإداري في السلطة الجديدة، معرباً عن قناعته بأن أكاذيب البيان استنتساخ لما كنا نسمعه في زمن الأسد وأتباعه، بالحديث الكاذب عن أن الكرد يسعون للانفصال.
وأضاف أن كل مخرجات كونفرانس قامشلو ليست إلا تأكيد على وحدة أراضي الدولة السورية، في إطار حكم ديمقراطي تعددي يحافظ على حقوق الإنسان والمواطنة، وكذلك احترام حقوق كافة المكونات داخل الأراضي السورية، ومن ثم فإن ما يروج له بيان الجولاني خير دليل على أوجه النقص التي تطال سلطته، واستمرار نفس العقلية الرافضة للتعدد وعدم قبول التنوع والديمقراطية.
وشدد الدكتور حكيم عبدالكريم على أن وثيقة الرؤية المشتركة لم تتضمن أي ترويج للانفصال، وتؤكد في الوقت ذاته ديمقراطية الإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا، وحفاظها على الحقوق لكل المكونات، داعياً كل القوى داخل الجغرافية السورية إلى مساندة هذه التفاهمات؛ فالكرد لم يطالبوا بشيء سوى تجاوز المركزية المطلقة التي تتناقض مع الطبيعة السورية القائمة على تنوع القوميات والعرقيات والديانات والمذاهب.[1]