عيد أكيتو.. إرث ميزوبوتاميا الممتد لآلاف السنين
يتم الاحتفال بعيد أكيتو، الذي يتمتع بتراث يمتد لسبعة آلاف عام، كل عام في الأول من نيسان، ويعود تاريخ هذا العيد إلى ميزوبوتاميا حتى يومنا هذا، ويرمز بقدوم الربيع والأمل.
يتم الاحتفال بعيد أكيتو كأحد أقدم الأعياد في العالم، بدأ في الأرض المقدسة ميزوبوتاميا، ويحتفل به مختلف الحضارات منذ آلاف السنين، وبهذا وصل لعصرنا الحالي، يعد هذا العيد الذي يرمز بقدوم الربيع، وازدهار الطبيعة، بداية عام جديد رمزاً للهوية الثقافية على وجه الخصوص للمجتمعات الآشورية، السريانية والكلدانية، حسناً كيف بدأ عيد آكيتو، ما هي رحلته عبر التاريخ وكيف يتم الاحتفال به اليوم؟ هذه هي قصة هذا العيد الفريدة من نوعه.
بدأ آكيتو في ميزوبوتاميا
يعود عيد آكيتو لعصر السومر أحد أقدم الحضارات التاريخية، بدأ من مهرجان زاغموك ويعني بداية العام باللغة السومرية، وتطور فيما بعد في الحضارات الأكادية، البابلية والآشورية وتحول لتقليد وطني يتم الاحتفال به باعتباره الاعتدال الربيعي نهاية شهر آذار، بداية نيسان، بدأ هذا العيد بالتزامن مع حياة المجتمعات الزراعية في ميزوبوتاميا، وكان يقام للاحتفال ببداية زراعة الطعام وإحياء الطبيعة.
وفي بابل، كان مهرجان آكيتو يستمر ل 12 يوم ابتداءً من اليوم الأول لشهر نيسان وإلى أن يصل لذروته، وخلال هذه الفترة، كان يتم تلاوة ملحمة أنوما أليش للإله البابلي الرئيسي ماردوك في المعابد، ويتم إحياء نظام الكون من خلال الطقوس، ويعتذر الملوك باسم الشعب من الآلهة، ويتم أداء الصلوات والدعاء في المعابد ووضع تماثيل الآلهة في معبد آكيتو (بيت آكيتي) على جانب النهر، كانت ترمز هذه الاحتفالات إلى خروج الإله من العالم السفلي وعودته إلى السطح الأرض مع قدوم الربيع.
وكان يتم يحتف به الآشوريين أيضاً تكريماً لإله الحرب آشور، وتنظيم مراسم خاصة خارج سور المدينة في بيت آكيتو.
التحول التاريخي
استمر عيد آكيتو في ميزوبوتاميا بعد انهيار الحضارة السومري، واستمرت الاحتفالات في عهد الإمبراطورية السلوقية (312-63 قبل الميلاد) والإمبراطورية الرومانية، على سبيل المثال، تعود الإمبراطورية الرومانية ألاغابالوس، بأصله السوري (218-222 م)، وأوصل هذا العيد إلى إيطاليا وأقام الاحتفالات باسم الإله ألاغابالوس، لكن انتشار المسيحيين والفوضى السياسية في ميزوبوتاميا قلّص قليلاً انتشار آكيتو، ولكن لم تنسى المجتمعات الآشورية، السريانية والكلدانية هذا التقليد القديم، استمرت هذه المجتمعات الأصلية في ميزوبوتاميا في الاحتفال بعيد أكيتو باعتباره عيد الربيع والعام الجديد.
ولكن أُجبر الآشوريون، الكلدان والسريان في القرن العشرين نتيجة مجزرة سيفو الجماعية عام 1915 والحرب في الشرق الأوسط إلى الهجرة بأعداد كبيرة من هذه الأرض، وقد ساهم هذا الشتات في توسيع الحدود الجغرافية لأكيتو ونقل روح العيد إلى بُعد عالمي، وبقي عيد آكيتو تقليداً بين المجتمع الآشوري في تركيا، حيث يتم الاحتفال به في صمت لسنوات عديدة، ولم يُسمح في القرن العشرين بالاحتفال بعيد آكيتو بشكل رسمي بحجة الأمن وتم الاحتفال بهذا العيد سراً أكثر في المنازل، أو في المجتمعات الصغيرة.
آكيتو في العصر الحالي: رمز الوحدة والأمل
يحتفل الشعوب الآشورية، الكلدانية والسريانية في العصر الحالي بعيد آكيتو بحماس في كافة أنحاء العالم، كما يتم الترحيب به بهذا الحماس في شمال وشرق سوريا أيضاً، ويتم الاحتفال بهذا العيد في الغالب ليوم واحد فقط على عكس المهرجانات التي كانت تستمر 12 يوماً في العصور القديمة، يجتمع الشعب في 1 نيسان ويرحبون بإحياء الربيع، يرتدون الألبسة التقليدية، ويسردون الأغاني بلغتهم الأم، يعقدون حلقات الدبكة ويقيمون احتفالية في ساحات الطبيعة.
فيما تقوم النساء بصنع أكاليل من الزهور في بعض المناطق وتعليقها على أبواب منازلهن، هذا التقليد المعروف أيضاً باسم دقنا نيسان أي (طريق نيسان)، هو رمز لخصوبة الربيع، يُعتبر آكيتو رمزاً للأمل والدعم الاجتماعي، وهي أيضاً قوة توحد الشعوب بالرغم الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
يتم الاحتفال به بحرية بعد ثورة روج آفا
يتمتع عيد آكيتو في شمال وشرق سوريا في مقاطعة الجزيرة على وجه الخصوص حيث يوجد أعداد كبيرة من الشعب السرياني والآشوري، بمعنى ثقافي وأيضاً ديني، كان يتم الاحتفال بعيد آكيتو في ظل النظام البعثي أي قبيل ثورة روج آفا في ظل رقابة مشددة وكان يتم حظره في أغلب الأحيان، ولكن بعد عام 2012 ومع انطلاق ثورة روج آفا، رجّحت الإدارة الذاتية سياسة تساند فيها حرية الثقافة السريانية، الكردية والعربية والشعوب الأخرى.
تعرض المجتمع السرياني والآشوري في المنطقة دائماً للضغوطات والتهجير على مدى التاريخ، لكن بعد ثورة روج آفا في 2012 أصبح لديه الفرصة للاحتفال بحرية بأعياده، كما ويشارك الكرد، العرب والتركمان أيضاً بهذه الاحتفالات ويساندونهم.
وتُعطل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا كل عام في عيد آكيتو ك عطلة رسمية، ويقوم حزب الاتحاد السرياني قبل العيد بالتنظيم والتحضير، وتتضمن التحضيرات تحديد برنامج الفعاليات، تزيين الساحات، تنظيم الساحات للاحتفالات العامة، وسيتم الاحتفال هذا العام بعيد آكيتو في 1 نيسان في قرية كرشيران في تربسبيه، قرية ورديات وتل تمر وقرية حكمية في ديرك.
سيتم الاحتفال به مع هذا العام للمرة 6775
سيتم الاحتفال مع هذا العام للمرة 6775 بعيد آكيتو، إنه ليس الاحتفال بالعام الجديد؛ إنما يصبح في الوقت ذاته انعكاساً لنضال حماية هوية الشعوب الآشورية، الكلدانية والسريانية، يتم الاحتفال بهذا العيد بقدوم الربيع ك انبعاث الطبيعة، وهو رمز للرغبة في التجدد والإنتاجية والسلام.
انتشر هذا الإرث كأحد أقدم التقاليد عبر تاريخ الإنسانية من الأرض القديمة لميزوبوتاميا في كافة أنحاء العالم، ويردد أولئك الذين يحتفلون كل عام بعيد آكيتو رسالة من عمق التاريخ: صحوة الطبيعة وازدهار الأمل.
[1]